الدين و الحياةمقالات

عندما رفعت المصاحف علي السيوف. بقلم محمد الدكـــروري

 

عندما رفعت المصاحف علي السيوف

 

بقلم محمد الدكـــروري

عندما توقف القتال في واقعة صفين بين الطرفين من جيش الإمام علي وجيش معاوية بن أبي سفيان واجتمع الناس حول الإمام علي من اهل العراق، ويدور بينه وبينهم هذا الحوار الملتهب، فيقول الأشتر النحعي ” يا أهل العراق، يا أهل الذل والوهن أحين علوتم القوم، وظنوا أنكم لهم قاهرون رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها وهم والله قد تركوا ما أمر الله به، فيها، وسنة من أنزلت عليه، فأمهلوني فواقا ” وهي المدة ما بين حلب الناقة وحلبها ثانية” إنها في حدود الساعتين تقريبا، فإني قد أحسست بالفتح، فيرد عليه الخارجون لا، فيقول الأشتر النخعى أمهلوني عدو الفرس، فإني قد طمعت بالنصر، فيرد عليه الخارجون إذن ندخل معك في خطيئتك، فيقول الأشتر، خبّروني عنكم، متى كنتم محقين؟

أحين تقاتلون وخياركم يُقتلون، فأنتم الآن إذا أمسكتم عن القتال مبطلون، أم أنتم الآن محقون وقتلاكم الذين لا تنكرون فضلهم، وهم خير منكم، في النار؟ فيقول الخارجون دعنا منك يا أشتر، قاتلناهم لله، وندع قتالهم لله، فيقول الأشتر يا أصحاب الجباه السود، كنا نظن صلاتكم زهادة في الدنيا، وشوقا إلى لقاء الله، فلا أرى مرادكم إلا الدنيا، ألا قبحا يا أصحاب النيب الجلالة، ما أنتم برائين بعدها عزا أبدا، فابعدوا كما بعد القوم الظالمون، ويغلظ لهم قولا، فتثور ثائرتهم للاذع القول، وكأنه طعن المُدي، فيسبّونه، ويضرب وجوه دوابهم ويضربون وجه دابته، ويتملئ صدر الإمام على رضى الله عنه، غما وهما وهو يشهد رجاله ينقلبون عليه يتمردون، ويشفق من فتنة تثور في عسكره، فتأتي على البقية الباقية منه.

وإنه لا يدري ماذا يفعل، وقد أوقع في يده، فاعتراه حزن ثقيل مظلم، فلا رأي لمن لا يطاع، وكالبركان انفجر في وجوههم، وهو يتميز غيظا وحنقا كفوا، فكفوا، ويتم التحكيم، وإن الحُكم إلا لله، ويختار أهل الشام عمرو بن العاص ممثلا لهم ويكون الإلحاح على الإمام على رضى الله عنه، على القبول بأبي موسى الأشعري حكما من طرفه، وتكتب بذلك صحيفة، تهافتوا على التوقيع عليها، وعندما دُعي مالك الأشتر للتوقيع عليها، شاهدا، قال لا صحبتني يميني، ولا نفعتني شمالي، إن خُط لي في هذه الصحيفة اسم على صلح وموادعة، أو لست على بينة من ضلال عدوي؟ أو لستم قد رأيتم الظفر؟ ويبتسم الإمام على رضى الله عنه، ابتسامة إعجاب واعتزاز لقول يصدر عن رجل لا كالرجال العاديين.

وكان بعد ذلك من أمر التحكيم ما كان، ويعود كل إلى بلده ويردّ الإمام على رضى الله عنه، الأشتر عاملا له على الجزيرة أي حاكما على منطقة الجزيرة في الشام، وبلغ الأشتر أن الضحاك بن قيس، وكان أميرا على جيش معاوية في صفين، سار يريد حرّان، فأقبل الأشتر إليه، ونازله مع جنوده في مرج مرينا، وهو مكان بين حرّان والرقة، وانهزم الضحاك وأصحابه، فالنصر تحت راية الأشتر حيثما كان، وطارد الأشتر الضحاك ومن معه، فحاصرهم في حرّان، وناداهم ألا تنزلون أيها الثعالب الروّاغة الجحر، والجُحر هو ثقب في الأرض تأوي إليه الحشرات والحيات يا معاشر الضباب، وهو جمع ضب وهى دويبة صحراوية ماكرة، ومضى، فمرّ بالرقة فتحصنوا فيها ثم تابع طريقة إلى قرقيسيا فتحصنوا، فالأشتر، بالنسبة إليهم، سيف من سيوف الله مسلول، لا يقوم أمامه شيء.

زر الذهاب إلى الأعلى