مقالات

عين واحدة في أرض السادة

عين واحدة في أرض السادة

بقلم: عبد المجيد

في قرية بعيدة، كان كل السكان يولدون بعينٍ واحدة في منتصف جباهم. عاشوا لقرون يعتقدون أن هذه هي الصورة الوحيدة للإنسان. بَنَوا حياتهم وقوانينهم وفنونهم على قياس هذه العين الواحدة.

وفي يوم، وصل مسافر غريب يملك عينين اثنتين!

بدلاً من أن يستغربوا أو يتعلموا منه، تجمهروا حوله يسخرون: “انظروا إلى هذا المسخ! لديه عين زائدة تشوه وجهه.. إنه شاذ ولا بد من إصلاحه!”

اقتربوا منه، وبدلاً من أن يفهموا أن رؤيته أعمق وأوضح، عصبوا إحدى عينيه بالقوة، وقالوا: “الآن أصبحت إنساناً طبيعياً مثلنا!”

تختصر هذه القصة حالة فكرية نحياها جميعاً، وجسّدها القرآن الكريم بأدق وصف حين قال:

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾

هذه هي المأساة الحقيقية: أن نُلغي عقولنا ونخمد الفضول لمجرد أننا وجدنا آباءنا ومجتمعنا على حالة معينة.

نحن نولد في مجتمعات تمنحنا “عيناً واحدة” موروثة لنرى بها الحياة. وحين يحاول أحدنا أن يفتح عينه الثانية — عين التفكير الحر والمساءلة — يصرخ القطيع في وجهه: “أنت تخرج عن الطريق الصحيح!”

نحن نخاف الشخص المختلف لا لأنه على خطأ، بل لأن عينيه الاثنتين تُذكراننا بمدى عجز عيننا الواحدة.

سؤالي لك اليوم مستفز، لكنه يحتاج إجابة صادقة:

هل القناعات التي تستميت في الدفاع عنها هي اختيارك الحر فعلاً؟ أم أنك فقط أغلقت عينك الثانية كي لا تغضب قريةً تخاف من الرؤية الكاملة؟

زر الذهاب إلى الأعلى