أدب وثقافةقصص قصيرة

غابة الأشجار السوداء

غابة الأشجار السوداء

محمد عبد المرضي منصور
لم تكن ”غابة الأشجار السوداء” مجرد بقعة تتشابك فيها أغصان الأشجار الداكنة بل كانت متاهة من الخوف الموروث؛ حيث هجمت الذئاب على مجتمع الحمير في غابة الأشجار السوداء، فافترست منها ما افترست كعادتها الغابرة فغضبت الحمير وضجّت مِن الثعالب التي فرَّت تاركةً حماية القطعان، خائنةً عهد المملكة.
علِم الأسد بتذمُّر الحمير فأرسل إليها “ثعلبان”؛ وزير الأمن والأمان في ذلك الزمان. اجتمع ثعلبان بالحمير وقال بنبرة حازمة: “لا تتحدثوا في الأمر؛ فأنتم أحياء ولا دخل لكم بالأموات! هذه أمورٌ وتدابيرٌ عُليا ولا شان لكم في إدارة الغابة، وعليكم السمع والطاعة، ولكم في المقابل نصيبٌ رغيدٌ من العشب”. مرّت السنون، ولم تحظَ الحمير إلا بقليل العشب، وعاشت أعواماً من الجوع والجرب، لكنها لم تفقد الأمل؛ ظلت تؤدِّي دورها المعهود، فتحمل قمامة الحيوانات إلى أعلى الهضبة حيث تقطن الكائنات والطيور الجارحة. حتى جاء يومٌ عاصف شديد البرودة، هجمت فيه الذئاب مجدداً ففرقت الحمير ذعراً في أرجاء الغابة، فاصطادت الذئاب كفايتها وعادت إلى صحرائها البعيدة.
وحين تساءلت الحمير مستنكرةً غياب الحماية، عاد الثعلب ثعلبان ليقول بدم بارد: “هي أمور وتدابير العرين العليا مع الذئاب فيها الكثير من الأسرار التي لا شأن لكم بها فاصبروا حتى تنالوا العشب الكثير”. حينها فرحت الحمير وأطلقت صوتها المنكَر بالنهيق والترحيب.
وفي العرين، سأل الأسدُ ثعلبان عن حال الحمير بعد حادثة الذئاب الثانية، فأجابه بثقة: “الحال على ما يرام يا مولاي، لقد وعدتهم بالعشب الوفير”.
قال الأسد متوجساً: “ماذا لو هجمت الذئاب مرة ثالثة؟ ستتعقد الأمور، أليس كذلك؟ “
ابتسم الثعلب: “لا يا سيدي، هم حمير وسأعدهم بما وعدتهم سابقاً. حينها، ستكون الحمير التي عاصرت الهجوم الأول قد ماتت أو شاخت فيسهل اصطيادها، أما الأجيال الجديدة فتنطلي عليها نفس الخدعة، وبذات الكلام؛ إنهم حميرٌ يا مولاي، والذاكرة لديهم قصيرة”.
سأله الأسد: “وماذا لو أكلت الذئاب كل الحمير؟ مَن سيقوم على خدمتنا وحمل مخلفاتنا وقمامتنا؟ “
أجابه الثعلب: “الحمير تتكاثر بسرعة، وفي أجسادهم وفرة من اللحم تكفي ذئاباً كثيرة، مثلما تكفي ظهورهم لحمل قمامة الغابة كلها، فلا تقلق يا مولاي”.
نظر إليه الأسد بإعجاب: “هل تُعلَّم أبناءك هذا الدهاء أيها الثعلب؟”
قال ثعلبان: “بالطبع يا مولاي العظيم، فهم ثعالب، وسيكونون مخلصين لأشبالك كما أخلصت لك دائماً”.
هز الأسد رأسه قائلاً: “نعم، نحن أسود، وأنتم ثعالب، وهم حمير.. لقد فهمت اللعبة”.
لكن الأسد وثعلبان لم ينتبها للحمار الواقف خلف العرين حاملاً سلة القمامة؛ لم ينهق هذه المرة، بل أفرغ السلة بصمت، والتفت نحو القطيع وعيناه تشتعلان بوعيٍ جديد.
 

زر الذهاب إلى الأعلى