فيودور شاليابين
موسيقى تمشي على تخوم الرواية الروسية ..
بقلم / دعاء هزاع الجابري ـ اليمن
حين يذكر اسم ” فيودور شاليابين ”
لا يحضر صوت استثنائي فحسب بل تنهض معه روح كاملة مثقلة بالتجربة ، ومشبعة بالتناقض الإنساني الذي ميز الفن الروسي عبر تاريخه ، فشاليابين ليس مجرد مغني أوبرا بلغ العالمية بل تجسيد حي لفكرة الفن بوصفه قدرا والحياة بوصفها امتحانا طويلا للروح في سيرته ، تماما كما في الرواية الروسية الكبرى ، فلا تسير الأحداث بخفة بل تتشكل ببطء عميق حيث يمتزج الفقر بالحلم ، والمجد بالوحدة ، والموهبة بالقلق الوجودي
ومن هنا تحديدا لا تقرأ حكايته بوصفها سيرة نجاح بل كمرآة إنسانية واسعة تعكس ذلك الصراع الدائم بين الضوء والظل ، بين ما نكونه في الداخل وما نجبر على أن نكونه في العالم ، ففي عالمنا المكتض ثمة كتب لا تقرأ بل تصغي إليها الروح كما تصغي إلى موسيقى بعيدة ، موسيقى لا نعرف من أين تأتي لكنها تعرف طريقها إلينا جيدا ، وهكذا كانت الروايات الروسية دائما ، ليست مجرد حكايات تروى بل حالات إنسانية تعاش بدفاتر اعتراف مفتوحة على مصائر البشر ، حيث تمتزج القسوة بالحنان ، والواقع بالحلم ، والروح بالجسد ، في نسيج واحد لا يمكن فصله ، ففي الرواية الروسية لا شيء يحدث على عجل ، كل شيء يتشكل ببطء يشبه تساقط الثلج صامتا ، متراكما ، حتى يغمر القلب دون أن نشعر ، فحين نقرأ نشعر بأن دفئا خفيا يتسلل إلينا ، دفء لا يشبه الفرح الصاخب بل يشبه الطمأنينة الحزينة ، تلك التي تولد من فهم عميق للنفس البشرية ومن قبول صادق لتناقضاتها ، وهناك في تلك الصفحات نلتقي بأنفسنا أكثر مما نلتقي بالأبطال
ومن بين تلك الحكايات التي لا تزال تسكن الوجدان ، تبرز سيرة مغني الأوبرا الروسي العظيم ” فيودور شاليابين ” والتي لم اقراءها يوما بحب فقط بل قمت بمشاهدتها ايظا ضمن انتاج عالمي رائع يليق بها ، ولا اقول ذلك بوصفها سيرة رجل واحد بل بوصفها حياة كاملة تمشي على حافة الضوء والظل حياة بدأت من فقر ” قاس ” من بيت فلاحي بسيط حيث كانت الأيام تقاس بالجوع والعمل لا بالأحلام ، ومع ذلك ولد ” الصوت ” ذلك الصوت الذي لم يكن مجرد موهبة بل وعدا خفيا وقدرا ينتظر لحظته ليعلن عن نفسه ، فقد كبر شاليابين وهو يحمل في داخله ثقلين ” ثقل الحاجة ، وثقل الحلم ” ، لقد كان المسرح بالنسبة إليه خلاصا وخوفا في آن واحد ، اقتحمه كما يقتحم الإنسان مصيره حين لا يملك خيارا آخر ، وشيئا فشيئا صعد من الهامش إلى المركز ومن العتمة إلى الأضواء ، حتى أصبح اسمه مرادفا للعظمة وصوته علامة لا تنسى في تاريخ الأوبرا العالمية
غير أن ذاك المجد كما تصوره الرواية الروسية دائما ليس هدية خالصة ، فكان النجاح يطالبه بثمن باهظ من عزلة داخلية ، قلق لا يهدأ ، وأفكار متشابكة كانت تجره إلى متاهات طويلة من التأمل ، حيث يتحول التفكير المفرط أحيانا إلى قسوة ، لا لأن القلب قاس بل لأنه مرهق ، فقد كان شاليابين إنسانا حساسا إلى حد الألم ، يحمل حبا واسعا للعالم لكنه كثيرا ما عجز عن التعبير عنه بلطف ، وفي قلب هذه الحياة الصاخبة وقف الحب كاختبار لا يقل قسوة عن الفن ، امرأتان كلتاهما صادقة وكلتاهما تمسك بجزء من روحه ، ولم يكن الاختيار بينهما مجرد قرار عاطفي بل صراعا وجوديا بين صورتين للحياة ” الاستقرار والاندفاع ، الهدوء واللهيب ” ، وفي كل مرة كان يظن أنه اقترب من السعادة كانت الأسئلة تعود لتطالبه بإجابات جديدة ، وكأن السعادة نفسها كانت تخشاه ، حيث كانت علاقاته الإنسانية مرآة لصراعه الداخلي ، كان يبدو حادا في لحظات ومتصلبا في مواقف ، بينما في أعماقه كان طفلا لا يزال يبحث عن الأمان عن حضن ثابت وسط عالم يتغير بسرعة تفوق قدرته على التكيف ، وهنا تكمن عظمة هذه السيرة ، حيث أنها لا تبرر القسوة لكنها تفهمها ولا تمجد الضعف لكنها تحتضنه
إن سيرة ” فيودور شاليابين ” ليست حكاية صعود من الفقر إلى العالمية فحسب بل هي درس طويل في معنى أن تكون إنسانا ، وبأن تحمل داخلك نورا يكفي لإضاءة المسار وظلا يكفي لإرباكك في كل خطوة ، هي رواية عن الفن بوصفه خلاصا وعن الحب بوصفه امتحانا وعن الذات بوصفها لغزا لا يحل بالكامل ، لنغلق في نهايتها تلك الصفحات المثقلة بالشعور ، ويبقى بنا احساسها الممتد حتى اخر العمر ، ذلك الإحساس الذي لا يقال ولا يكتب بل يعاش ، وهكذا هي الروايات الروسية دائما تترك فينا أثرا يشبه الصمت بعد الموسيقى ، صمتا ممتلئا بالمعنى يجعلنا نعيد النظر في أنفسنا وفي الحياة وفي كل ما ظننا أننا فهمناه من قبل ، فالروايات الروسية دائما لا تنتهي عند الصفحة الأخيرة ، بل تبدأ منها .








