مقالات

عندما يظل الإبداع راسخًا في وجداننا

عندما يظل الإبداع راسخًا في وجداننا

كنا نتربع أمام التلفاز الأبيض والأسود، ننتظر الحكاية قبل أن ننتظر الصورة. لم تكن الألوان قد احتلت شاشتنا بعد، لكن الشاشة كانت ملونة في وجداننا؛ لأن الفن كان يعرف كيف يصل إلى القلب قبل العين.

كانت الفنانات المصريات، بحضورهن الطبيعي وغنجهن الجميل وجاذبيتهن، جزءًا من ذلك السحر الذي جعل المشاهد يتعلق بالشخصية قبل أن يعرف تفاصيل الحكاية. وكان الفنان المصري يملك شيئًا يصعب استنساخه: العفوية، والصدق، والقدرة على جعل الشخصية تبدو وكأنها خرجت من الشارع والبيت والحارة إلى الشاشة مباشرة.

كان السيناريو يُكتب بعناية، والحوار يحمل روح الناس، والديكور ليس مجرد خلفية، بل جزءًا من الحكاية. حتى اللغة المصرية، ببساطتها وإيقاعها ودفئها، استطاعت أن تعبر الحدود وتدخل البيوت المغربية والعربية دون استئذان.

ولذلك لم يكن الفن المصري مجرد صناعة للفرجة؛ كان رحمة للإبداع؛ في الأغنية، وفي السينما، وفي المسرح، وفي الدراما. كان يخلق الفنان، ويمنح الكاتب مساحة للتعبير، ويجعل الممثل قادرًا على أن يحول الكلمة إلى حياة.

وربما لهذا السبب بقيت أعمال مثل «المال والبنون» حاضرة في ذاكرتنا. لم تكن المسألة في جودة الصورة، فقد كنا نشاهدها بالأبيض والأسود أو بتقنيات متواضعة قياسًا إلى ما نراه اليوم. المسألة كانت في قوة الإنسان داخل الصورة.

لقد تطورت التكنولوجيا، واتسعت الشاشات، وأصبح العالم في هواتفنا، لكن السؤال بقي قائمًا: لماذا تختفي بعض الأعمال بعد سنوات قليلة، بينما تظل أعمال أخرى تسكن الذاكرة؟

ربما لأن الفن الحقيقي لا يعيش في الشاشة.

الفن الحقيقي يعيش فينا.

والماضي لا يعود؛ نحن الذين نستحضره. هو ذهب، لكن بعض الإبداع ترك لنا نافذة نطل منها عليه، كلما اشتقنا إلى زمن كانت فيه الحكاية تجمعنا حول شاشة واحدة.

زر الذهاب إلى الأعلى