ثياب الاقتصاد…..بعيون مصرية
قناة السويس ليست للمقايضة… والسيادة ليست ورقة للمساومة
ليست القضية مجرد أرقام في موازنة، ولا هي معادلة بين دين ودائن. حين نتحدث عن اقتصاد مصر، فإننا لا نخلع ثوبنا الوطني على مكتب مفاوض، بل نرتدي ثياباً من صنع تاريخنا، نسجتها دماء حفرت قناة السويس، وعرق فلاح روى من النيل، وعقل مهندس لم يجد التكنولوجيا هبة، فأعاد اختراعها بعناد.
قناة السويس في عيون المصريين ليست ممراً للمقايضة، ولا ورقة تسوية ديون. هي شريان الضمير القومي، الذي دفعنا ثمن تأميمه أغلى ما نملك، فلا يُباع اليوم بمزاد اقتصادي جاف. من يطرح مقايضة الديون بها، فهو لا يعالج العجز، بل يمارس عجزاً مضاعفاً: عجز في الفكر، وعجز في الإيمان بقدرة المصريين على الإنتاج.
الحل، بعيون مصرية، لا يكمن في بيع الأصل، بل في تنمية الفرع. فزيادة الإنتاج الصناعي والزراعي هي البوابة، وتوطين التكنولوجيا هي المفتاح. وإن أغلقت الدول أبوابها أمام نقل المعرفة، فلدينا ما فعلته الصين: الهندسة العكسية، التي تحول المنتج إلى معرفة، والمعرفة إلى صناعة، والصناعة إلى سيادة. الصين لم تصفر ديونها ببيع قنواتها، بل ببيع ما تصنعه قنوات عقولها.
وفي 2013، حين افتُتحت تفريعة قناة السويس، لم تكن مجرد حفرة مائية، كانت صناعة أمل. أمل أن يتحول هذا الممر إلى شريان اقتصادي عالمي، بإقامة مدن صناعية وتجارية، كما يخطط صانع القرار المصري اليوم. ولكن الأمل وحده لا يكفي؛ فالرؤية تحتاج إلى عقول اقتصادية وتجارية واستثمارية، من الداخل والخارج، تحسن استغلال هذه النعمة المائية التي منحت لمصر، والتي أهملناها لعقود.
نظرياً، نقف أمام معضلة “الفرخة والبيضة”: هل نأكل البيض يومياً، أم نذبح الفرخة في وجبة واحدة؟ لقد ثبت أن الاستدامة هي الحكمة، وأن الحصول على البيض كل يوم خير من وجبة عاجلة تنتهي بلا بقية. لكن الإدارة المصرية لهذا الممر، رغم رمزيته، ظلت لعقود تكتفي بالبيضة، دون أن تستثمر في الدجاجة ذاتها.
اليوم، ومع انطلاق الجمهورية الجديدة، نحن أمام فرصة تاريخية: أن نخلع ثياب الاقتصاد التقليدية، ونرتدي ثوباً جديداً من التصنيع، واللوجستيات، والشراكات الذكية. قناة السويس ليست للمقايضة، لكنها للاستثمار، للتنمية، وللانطلاق نحو عالم لا يقاس فيه النجاح بحجم الديون، بل بقدرة الدولة على تحويل موقعها الجغرافي إلى قيمة مضافة، وذاكرتها الجماعية إلى طاقة مستقبلية.
بعيون مصرية، الاقتصاد ليس علماً جافاً، بل هو فن البقاء والفخار معاً. فن نحتاج فيه إلى رؤية طويلة النفس، وعقول تخطط لعقود، وشعب يعي أن القناة ليست رمزاً نفتخر به ثم نهمله، بل مشروع أمة يكتب كل يوم على ضفافه.








