مقالاتمنوعات

الأذى الصامت… حين تُغتال الروح قبل الجسد، وتغدو جسدًا بلا روح

الأذى الصامت…

حين تُغتال الروح قبل الجسد، وتغدو جسدًا بلا روح

 

بقلم/  مـي جوهر

لا تزال ذاكرتي تحتفظ بذلك اليوم الذي أدركت فيه حقيقةً مُرّة وهي أن أشد أنواع الأذى ليس الصراخ، ولا الشجار العلني، ولا الجرح المباشر، بل هو الأذى الذي يتسلل من أولئك الذين يعيشون حولك، ويؤذونك بصمتٍ مطبق… دون أن يوجهوا إليك كلمة اتهام صريحة، أو يرفعوا أصواتهم في وجهك.

إنه الأذى الذي يختبئ في ثغرات الكلمات، وفي التأخير غير المبرر للرد على مكالمتك وأنت في أمس الحاجة إليهم، وفي التجاهل الذي يتستر بثوب “الانشغال الدائم”.

هو الغيرة التي تتخفى خلف المديح الزائف، والتقليل من شأن نجاحك بصمت حين تشاركهم فرحتك، ليغيروا الموضوع فجأة، أو يكتفوا بإرسال رمزٍ تعبيري (إيموجي) بارد يفتقر لأبسط معاني الصدق والتفاعل.

هؤلاء ليسوا من الأعداء الظاهرين الذين تدرك خطرهم من النظرة الأولى، فتقيم حدودك معهم منذ اللقاء الأول. غالباً ما يكونون من المقربين سواء صديق عمر، أو قريب من العائلة، أو زميل عمل تقاسمه ثماني ساعات يومياً، أو حتى شريك حياة يجمعك وإياه سقف واحد.

 

 

إنهم من يحفظون نقاط ضعفك، ويطلعون على أحلامك، ويعرفون المواضع التي إن لمسوها أوجعوك، فيفعلون ذلك وأنت لا تشعر.

ولماذا يُعد الأذى الصامت أشد فتكاً من أي جرح آخر؟ لأنه ينهشك من الداخل ببطء، كـ”سوسة” تنخر الخشب من جوفه، فلا تكتشفها إلا حين يتحول الجذع إلى رماد.

تظل أسير التساؤل: “هل الخطأ مني؟  هل كان قصده إيذائي أم أنه مجرد انشغال؟” تعيد تحليل كل كلمة، وكل حركة، وكل موقف، حتى تستنزف آخر قطرات طاقتك الروحية، وتُصاب بشلل داخلي.

أذكر فتاة جمعتها بصديقتها المقربة رابطة اثنتي عشرة سنة. في كل مرة كانت تحكي فيها عن حلمها بتأسيس مشروع خاص، كانت الصديقة تبتسم وتقول: “يا رب يوفقك يا حبيبتي”، لتعود بعد ذلك وتهمس للناس “أحلامها كثيرة، لكنها ليس لديها خبرة، ومشروعها سينهار سريعاً”.

ولما أثمرت جهود الفتاة وافتتحت مشروعها، لم تحضر الصديقة الافتتاح، ولم تهنئها بصدق. اكتفت بإرسال رسالة مختصرة بعد ثلاثة أيام “مبروك” مع رمز قلبٍ واحد، لتبدأ بعدها في التقليل من شأن نجاحها أمام الآخرين في كل فرصة.

كانت الفتاة تلوم نفسها يومياً قائلة “يجب أن أتفهم وضعها، فهي ليست مقصرة، لكل إنسان مشاغله”.

ولكن حين اكتشفت أخيراً كواليس الكلام الذي كانت تطلقه صديقتها خلف ظهرها، لم تكن صدمتها في الكلام فحسب، بل كانت الصدمة في “الصمت” الذي عاشت فيه، وفي تلك الابتسامة المزيفة التي ارتسمت على وجهها يوماً بعد يوم، وفي الأذى الذي كانت تتلقاه دون أن تملك دليلاً مادياً عليه، سوى ذلك الثقل الغامض الذي كان يعصر قلبها.

هذا هو حال كل من وقع ضحية للأذى الصامت.

فالأذى لا يكمن في الجرح العلني القابل للالتئام، بل في الشك المستمر بالنفس، وفي التساؤلات التي لا تجد إجابة، وفي التعود على ابتلاع الألم والسكوت عنه لعدم وجود دليل مادي، سوى إحساس داخلي لا يُثبت.

ويستمر هذا الحال شهوراً وسنوات، والروح تموت رويداً رويداً. تفقد ثقتك بنفسك، تقل مشاركتك، تخفت أحلامك، وتصمت ضحكاتك الصادقة، حتى تصبح كما وصفنا “جسداً بلا روح”.

تمشي في الطرقات، وتؤدي عملك، وتجلس مع عائلتك، وتبتسم للناس، لكنك من الداخل بارد، خامل، تفتقر للطاقة، لا تفرح لفرحة، ولا تحزن لمصيبة، فكل شيء يمر عليك كالماء على الحجر.

لكن، هل يجب أن يستمر هذا الحال؟ وهل من المنطقي أن تُعدم روحك في صمتٍ لأجل شخص يفتقر للشجاعة ليواجهك، ويصرح بما يكرهه فيك؟

المفارقة أن معظم هؤلاء المؤذيين بصمت لا يدركون حجم الدمار الذي يخلفونه. إنهم أسرى خوفهم من المواجهة، وخوفهم من انكشاف غيرتهم أو غضبهم، فيتركون سمهم ينزف بصمت، ليجرحوك دون أن يتحملوا أدنى مسؤولية.

لذا، لا يجوز أن تتحمل أنت وزر أذى يسببه غيرك، ولا أن تجلد ذاتك بسبب مشاعر تؤلمك.

تَعلَّم أن تُنصت لحدسك. وحين تشعر بوخز الأذى في صمت، لا تقل لنفسك “أنا أتخيل”.

فالشعور الصادق في قلبك نادراً ما يخدع.

وضعك للحدود لا يجعلك شخصاً سيئاً، وابتعادك عمن يؤذيك، ولو كان بصمت، هو حقك المشروع وخط دفاعك الأول.

الحياة أقصر بكثير من أن تقضيها جسداً بلا روح، تنتظر تحولاً من شخص لا يرغب في التغيير. انطلق من دائرة الصمت المؤذية، واترك من يعجز عن رؤية روحك حية، ليبقى بعيداً عنك.

لأن روحك تستحق أن تُحيا… ولا تستحق أن تُغتال في صمتٍ من أجل أحد.

زر الذهاب إلى الأعلى