حين تتحول قوة المرأة إلى سلطة:
كيف تهدم بعض النساء بيوتهن وهن يظنن أنهن يحمينها؟
بقلم: إسراء محمد
في زمن تغيّرت فيه صورة الأسرة، وأصبحت المرأة أكثر حضورًا في العمل والحياة العامة وصناعة القرار، لم تعد معركة المرأة الأساسية هي إثبات قدرتها على النجاح، وإنما أصبحت معركة أخرى أكثر تعقيدًا: كيف تحافظ على قوتها من دون أن تتحول هذه القوة إلى سلطة تُقصي من حولها؟
فالقوة في حد ذاتها ليست عيبًا، والاستقلال ليس تمردًا، وتحمل المسؤولية ليس خروجًا عن طبيعة المرأة، كما أن الرجل الذي يشارك زوجته في تفاصيل الحياة لا يفقد مكانته أو رجولته. لكن المشكلة تبدأ حين تتجاوز القوة حدودها الطبيعية، وحين تتحول المرأة من شريكة في صناعة القرار إلى صاحبة القرار الوحيد، ومن امرأة تعرف ما تريد إلى امرأة تريد أن يريده الجميع كما تريد هي.
هناك فرق كبير بين أن تكون المرأة قوية وأن تكون مسيطرة، وبين أن تكون مستقلة وأن تجعل استقلالها ذريعة لعدم احتياجها إلى أحد، وبين أن تتحمل مسؤولية بيتها وأن تشعر أن عليها أن تدير حياة كل من فيه.
وقد تبدأ الحكاية بطريقة تبدو بريئة تمامًا. امرأة تتولى بعض التفاصيل لأنها أكثر تنظيمًا، ثم تصبح مسؤولة عن تفاصيل أكثر لأنها ترى أن زوجها لا ينتبه إليها بالقدر الكافي. تتدخل في القرارات لأنها تخشى الخطأ، ثم تصبح صاحبة القرار لأنها ترى أنها الأقدر. تتابع أبناءها بدافع الحرص، ثم تبدأ في مراقبتهم. تساعد زوجها بدافع الحب، ثم تتحول مساعدتها إلى توجيه، وتوجيهها إلى أوامر، حتى يجد الجميع أنفسهم في بيت تتحرك تفاصيله وفق إرادة شخص واحد.
والأخطر أن هذه المرأة قد لا ترى نفسها مسيطرة.
قد ترى نفسها مسؤولة، حريصة، واعية، قوية، أو حتى ضحية لعدم تحمل الآخرين مسؤولياتهم. وقد تكون في بعض الأحيان محقة بالفعل؛ فهناك نساء اضطُررن إلى حمل أعباء الأسرة لأن الطرف الآخر لم يكن على قدر المسؤولية. وهناك نساء وجدن أنفسهن أمام أزواج يتخلون عن أدوارهم، فاضطررن إلى اتخاذ القرارات بأنفسهن.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاضطرار إلى أسلوب دائم، وعندما تصبح السيطرة عادة حتى بعد زوال السبب الذي صنعها.
فالمرأة التي تحملت كل شيء لأنها لم تجد من يحمل عنها شيئًا، قد تعتاد مع الوقت ألا تسمح لأحد بأن يحمل عنها شيئًا أصلًا.
وهنا يصبح السؤال النفسي أكثر أهمية لماذا يصعب على بعض النساء التخلي عن السيطرة حتى عندما تصبح مؤذية؟
في كثير من الحالات، لا تكون السيطرة نابعة من القوة بقدر ما تكون نابعة من الخوف.
الخوف من الفشل، أو الخذلان، أو فقدان السيطرة على الحياة، أو التعرض للخيانة، أو الاعتماد على شخص ثم اكتشاف أنه غير جدير بالثقة. وقد تكون هذه المخاوف نتيجة تجارب قديمة، أو تربية جعلت المرأة ترى أن الأمان لا يتحقق إلا عندما تكون هي المسؤولة عن كل شيء.
فتتعلم أن تعتمد على نفسها، ثم تتحول هذه القدرة مع الوقت إلى قناعة بأنها لا تستطيع الاعتماد على أحد.
وهنا تصبح الاستقلالية سلاحًا ذا حدين.
فالاستقلال الصحي يعني أن تعرف المرأة أنها قادرة على الوقوف وحدها، لكنها تختار أن تشارك حياتها مع شخص آخر. أما الاستقلال الذي يتحول إلى رفض دائم للاحتياج، فيجعل العلاقة نفسها أمرًا مهددًا؛ لأن الزواج يقوم على المشاركة، والمشاركة تتطلب مساحة للآخر.
لا يمكن أن تطلب المرأة من شريكها أن يكون مسؤولًا ثم تسلبه كل فرصة لاتخاذ القرار. ولا يمكنها أن تشتكي من أنه لا يبادر بينما ترفض كل مبادرة لا تأتي بالطريقة التي تراها صحيحة.
وهنا تقع بعض النساء في مفارقة مؤلمة تشتكي من أنها تحمل البيت وحدها بينما تكون قد اعتادت رفض أي طريقة أخرى لإدارته.
فالرجل الذي يُنتقد في كل قرار قد يتوقف عن اتخاذ القرارات. والرجل الذي يشعر أن كل محاولة منه ستنتهي بتصحيح أو سخرية أو مقارنة، قد يختار الصمت. والرجل الذي يسمع باستمرار أن زوجته تستطيع أن تفعل كل شيء بصورة أفضل، قد يتراجع تدريجيًا عن المشاركة.
وبمرور الوقت، يتحول تراجع الرجل إلى دليل جديد في نظر المرأة على أنه غير مسؤول، فتزداد سيطرتها، ويزداد انسحابه، وتغلق الدائرة على الطرفين.
لكن من الظلم أيضًا أن نضع كل رجل منسحب في خانة الضحية.
فبعض الرجال يختارون بالفعل الراحة على المسؤولية، ويجدون في الزوجة القوية فرصة للتنصل من أعبائهم. وبعضهم يريد امرأة تقوم بكل شيء ثم تمنحه في الوقت نفسه شعورًا بأنه صاحب القرار. وهناك من يرفض المرأة المستقلة من الأساس، لأنه لا يرى الزواج شراكة، وإنما يرى أن دوره هو الأمر ودورها هو التنفيذ.
لذلك فإن الحديث عن المرأة المسيطرة لا ينبغي أن يتحول إلى محاكمة للمرأة وحدها.
فالبيت الذي اختل فيه ميزان الشراكة مسؤولية طرفين، حتى وإن بدأ الخلل من أحدهما.
المشكلة الحقيقية ليست في أن تقود المرأة أحيانًا، ولا في أن يقود الرجل أحيانًا أخرى فالحياة الزوجية ليست نظامًا ثابتًا لتوزيع الأدوار في كل موقف.
قد تكون الزوجة أكثر خبرة في إدارة المال، وقد يكون الزوج أكثر قدرة على اتخاذ قرارات أخرى، وقد يكون أحدهما أفضل في التعامل مع الأبناء، وقد يتولى الآخر جانبًا مختلفًا من المسؤوليات.
الشراكة لا تعني التطابق، وإنما تعني الاعتراف بقيمة الآخر.
أما المشكلة فتظهر عندما يصبح الاختلاف تهديدًا، وحين يشعر أحد الطرفين أن الاعتراف بقدرة الآخر يعني الانتقاص من قدرته هو.
هناك امرأة لا تستطيع أن تقول لزوجها: أنت أفضل مني في هذا الأمر، لأنها ترى أن الاعتراف بذلك يقلل من قوتها.
وهناك رجل لا يستطيع أن يقول لزوجته أنت أكثر قدرة مني في هذا الأمر، لأنه يرى أن ذلك ينتقص من رجولته.
وهنا لا يكون الخلل في الرجل أو المرأة، وإنما في الفكرة التي تربط قيمة الإنسان بقدرته على التفوق على شريكه.
الزواج ليس مسابقة.
ليس المطلوب أن يكون أحدهما أقوى دائمًا، وإنما أن يشعر كل طرف أن قوته آمنة بجوار الآخر.
لكن عندما تتحول العلاقة إلى صراع على السلطة، تبدأ الخسائر الحقيقية.
فالسيطرة ليست دائمًا صراخًا أو عنفًا أو قرارات معلنة. قد تكون أكثر هدوءًا من ذلك بكثير؛ قد تظهر في التدخل في علاقات الشريك، أو فرض طريقة معينة في التعامل مع الأبناء، أو التحكم في المال، أو مراقبة الهاتف، أو رفض أصدقاء الزوج، أو اتخاذ قرارات تخص الأسرة دون استشارته، أو استخدام العتاب المستمر حتى يشعر الطرف الآخر أن أي تصرف مستقل منه سيؤدي إلى أزمة.
وقد تتخذ السيطرة شكلًا أكثر نعومة: إشعاره بأنه لا يعرف، وأنها تعرف أكثر، وأنها دائمًا صاحبة الرؤية الصحيحة.
وهذا النوع من السيطرة قد يكون أكثر خطورة لأنه يجعل الطرف الآخر يشك في نفسه بمرور الوقت.
والأمر لا يتوقف عند الزوجين.
الأبناء يراقبون العلاقة، حتى عندما نظن أنهم لا يفهمون.
الطفل الذي يرى أمًا تلغي رأي أبيه باستمرار، أو أبًا ينسحب من كل قرار، يتعلم من هذا المشهد أكثر مما يتعلم من آلاف النصائح. وقد يحمل هذه الصورة معه إلى زواجه مستقبلًا.
قد تتعلم الفتاة أن المرأة لا تستطيع أن تكون آمنة إلا إذا سيطرت على كل شيء. وقد يتعلم الصبي أن الرجل إما مسيطر وإما ضعيف. وفي الحالتين، تنتقل المشكلة إلى الجيل التالي في صورة جديدة.
وهنا تظهر مسؤولية الأسرة في صناعة مفهوم صحي للقوة.
القوة ليست في أن يفعل الإنسان كل شيء وحده.
القوة في أن يعرف متى يعتمد على نفسه، ومتى يسمح للآخر بأن يسانده.
وليست القوة في أن يكون رأينا هو الأخير دائمًا.
القوة الحقيقية أن نتمكن من تغيير رأينا عندما نكتشف أننا أخطأنا.
وليست القوة في أن نربح كل نقاش.
فقد يكون الانتصار في النقاش هزيمة للعلاقة.
والمرأة التي تريد حماية بيتها تحتاج أحيانًا إلى أن تسأل نفسها أسئلة صعبة هل أريد أن يكون زوجي شريكًا حقًا أم أريده أن ينفذ ما أراه صحيحًا؟ هل أعطيه مساحة ليخطئ ويتعلم؟ هل أسمح له أن يدير بعض الأمور بطريقته، أم أريد أن تسير الحياة كلها وفق رؤيتي؟ هل أطلب منه تحمل المسؤولية ثم أتدخل في كل تفاصيلها؟
وفي المقابل، يحتاج الرجل إلى الأسئلة نفسها هل أتحمل مسؤوليتي فعلًا؟ هل أشارك زوجتي أم أتركها تحمل الأعباء ثم أشتكي من سيطرتها؟ هل أرفض قوتها لمجرد أنها مختلفة عن الصورة التي اعتدت عليها؟ وهل أستخدم انسحابي من المسؤولية وسيلة لمعاقبتها أو الهروب من واجباتي؟
فالمرأة لا تحتاج إلى أن تتخلى عن قوتها حتى تحافظ على بيتها، كما أن الرجل لا يحتاج إلى أن يفرض سلطته حتى يشعر بأنه رجل.
ما يحتاجه الطرفان هو إعادة تعريف القوة داخل الزواج.
أن تكون المرأة قوية، ويكون الرجل قويًا، من دون أن يحتاج أحدهما إلى إضعاف الآخر.
أن يستطيع كل منهما أن يقول: «أنا قادر»، وفي الوقت نفسه يقول أنا أحتاج إليك.
أن تعرف المرأة أن طلب المساعدة لا ينتقص من استقلالها، وأن يعرف الرجل أن مشاركة زوجته في المسؤولية لا تنتقص من رجولته.
فالاحتياج المتبادل ليس ضعفًا، والتنازل في بعض المواقف ليس هزيمة، والاعتذار ليس انكسارًا.
والحب الذي لا يحترم الحدود يتحول إلى امتلاك، والحرص الذي يتجاوز حدوده يتحول إلى رقابة، والاستقلال الذي يلغي الآخر يتحول إلى عزلة، والقوة التي لا تعرف الرحمة تتحول إلى قسوة.
لهذا، ليست المشكلة في المرأة التي تعرف قيمتها، وإنما في اللحظة التي تصبح فيها قيمتها مرتبطة بقدرتها على التحكم في الآخرين.
وليست المشكلة في الرجل الذي يريد أن يكون صاحب قرار، وإنما في اللحظة التي تصبح فيها رجولته مرتبطة بإلغاء قرار زوجته.
فقد يكون أكثر البيوت استقرارًا هو البيت الذي لا يعرف فيه أحد الطرفين دائمًا من صاحب الكلمة الأخيرة، لأنهما لا يعيشان أصلًا بمنطق الكلمة الأخيرة.
إنهما يعيشان بمنطق ما القرار الأفضل لنا؟.
وهنا فقط تتحول العلاقة من صراع على السلطة إلى شراكة حقيقية.
ولعل أصعب ما يمكن أن تفعله المرأة التي اعتادت السيطرة هو أن تثق بأن ترك بعض الأمور لزوجها لن يجعل بيتها ينهار، وأن أصعب ما يمكن أن يفعله الرجل الذي اعتاد الاتكال هو أن يستعيد مسؤوليته بدل أن يتركها لزوجته ثم يلومها لأنها أصبحت مسيطرة.
فالبيت لا يحتاج إلى حاكم ومحكوم.
ولا يحتاج إلى رجل ينتصر لأنه رجل، ولا إلى امرأة تنتصر لأنها امرأة.
البيت يحتاج إلى شخصين يعرف كل منهما أن قوة الآخر ليست تهديدًا له.
وعندما تختفي الرغبة في الانتصار، يبدأ الزواج في استعادة معناه الحقيقي.
فالمرأة لا تهدم بيتها لأنها قوية، والرجل لا يبني بيته لأنه الأقوى.
الذي يهدم البيوت هو أن تتحول القوة إلى سيطرة، والحب إلى امتلاك، والخوف إلى شك، والمسؤولية إلى استحواذ.
والبيت الذي يقوم على الخوف قد يستمر سنوات، لكنه يظل هشًا من الداخل.
أما البيت الذي يقوم على الاحترام، فيستطيع أن يختلف أهله دون أن يتحول الاختلاف إلى حرب، وأن يخطئ أحدهما دون أن يصبح الخطأ سلاحًا في يد الآخر، وأن ينجح أحدهما دون أن يشعر الآخر بأنه خسر.
وربما تكون أجمل صورة للقوة داخل الزواج أن يعرف كل طرف أنه يستطيع أن يعيش وحده، لكنه اختار ألا يعيش وحده.
اختار أن يشارك، وأن يساند، وأن يُسانَد.
اختار أن تكون هناك مساحة لشخصين، لا لشخص واحد يقرر والآخر يتبع.
لأن الزواج في النهاية ليس معركة يفوز فيها الأقوى، وإنما شراكة يخسر فيها الجميع حين يحاول أحدهم أن ينتصر.








