مقالاتمنوعات

كاتب بالإيجار والباحثون عن الشهرة. محمد رمضان أمين

كاتب بالإيجار والباحثون عن الشهرة

كتب /محمد رمضان أمين

 

لم يعد الظهور على شاشات التلفزيون حلمًا بعيد المنال كما كان في السابق، بل أصبح في متناول من يملك المال. ظاهرة “شراء ساعات الهواء” انتشرت بشكل لافت، خاصة في القنوات الصغيرة والمتخصصة، لتفتح الباب أمام فئة من الباحثين عن الشهرة، وفي الوقت نفسه تمنح مساحة خصبة لعمليات النصب والتضليل التي يقع ضحيتها المشاهد البسيط..

في السنوات الأخيرة، تحولت بعض القنوات الفضائية إلى ما يشبه “سوق مفتوح” لبيع الوقت على الهواء. مقابل مبالغ متفاوتة, آلاف الجنيهات، يمكن لأي شخص أن يحجز لنفسه مساحة زمنية يظهر فيها كمقدم برنامج أو خبير في مجال معين، بغض النظر عن مؤهلاته الحقيقية.

وتتنوع أساليب بيع الهواء، فبعض القنوات تتيح فقرات داخل برامج قائمة يتم بيعها للراغبين، بينما تذهب قنوات أخرى إلى إنتاج برامج كاملة لا تُعرض إلا إذا وُجد من يدفع مقابل الظهور فيها. وفي حالات أكثر غرابة، يتم تصميم البرنامج بالكامل لخدمة “المشتري”، ليظهر كضيف أو مقدم في صورة خبير موثوق.

القنوات المتخصصة، خاصة في مجالات مثل الصحة أو الأفراح، تعد الأكثر اعتمادًا على هذا النموذج. ففي برامج التجميل والأعراس، يظهر “كوافير” أو مصمم أزياء ليتحدث عن خبراته ويعرض خدماته، بينما يكون ظهوره في الحقيقة مجرد مساحة إعلانية مدفوعة، لكنها تُقدم للمشاهد على أنها محتوى إعلامي موثوق.

تكمن خطورة هذه الظاهرة في غياب الفصل الواضح بين الإعلان والمحتوى الإعلامي. فالمشاهد، بطبيعته، يمنح ثقة لما يُعرض على الشاشة، خاصة إذا كان على قناة يعتقد أنها ذات مصداقية. هذا الخلط يمنح المحتالين فرصة ذهبية لتقديم أنفسهم كخبراء، ما يؤدي إلى وقوع كثير من المواطنين ضحايا لعمليات نصب، خصوصًا في مجالات حساسة مثل العلاج أو التجميل.

يروي أحد العاملين في المجال الإعلامي (رفض ذكر اسمه) أن “بعض الأشخاص يدفعون فقط للظهور وإثبات أنهم خبراء، ثم يستخدمون تسجيل الحلقة كوسيلة دعائية على وسائل التواصل الاجتماعي لجذب الزبائن”.

ويضيف: “المشكلة ليست في الإعلان نفسه، بل في تقديمه بشكل مضلل”. اللافت أن الظاهرة لا تقتصر على المبتدئين، بل يلجأ إليها أحيانًا إعلاميون معروفون، إما لضمان استتقلال محتواهم بعيدًا عن تدخل القنوات، أو لتحقيق أرباح إضافية عبر استقطاب ضيوف يدفعون مقابل الظهور. ورغم أن هذه الممارسة موجودة عالميًا، فإنها تخضع في كثير من الدول لضوابط صارمة تفرض الإفصاح الواضح عن المحتوى الإعلاني، وهو ما يغيب أو يُطبق بشكل ضعيف في بعض القنوات المحلية.

النتيجة المباشرة لهذه الفوضى الإعلامية هي تآكل ثقة الجمهور في وسائل الإعلام، إلى جانب تعرض فئات واسعة لعمليات نصب، خاصة حين يتعلق الأمر بخدمات طبية أو تجميلية أو تعليمية. فالمشاهد لا يدرك أنه أمام إعلان مدفوع، بل يعتقد أنه يستمع إلى نصيحة من متخصص, في ظل غياب الرقابة الصارمة، تبقى ظاهرة “شراء الهواء” سلاحًا ذا حدين: وسيلة سهلة للشهرة من جهة، وبوابة خطيرة للنصب والتضليل من جهة أخرى. وبين هذا وذاك، يظل المشاهد هو الحلقة الأضعف، في حاجة إلى وعي أكبر وإعلام أكثر شفافية يضع حدودًا واضحة بين الحقيقة والإعلان.

زر الذهاب إلى الأعلى