الدين و الحياةمقالات

كيف بدأت الثورة العباسية زحفها نحو دمشق؟

سلسلة التاريخ من وراء الستار

 

كيف بدأت الثورة العباسية زحفها نحو دمشق؟

 

بقلم / محمد مصطفى كامل

ليست كل الرايات تُرفع لتعلن بداية حرب. فبعض الرايات تُرفع لتعلن نهاية عصرٍ بأكمله. وحين تخرج راية تحمل فكرةً آمن بها الآلاف، وتسبقها سنوات من الإعداد والتنظيم، فإنها لا تكون مجرد قطعة قماش ترفرف فوق الرماح، بل تصبح رمزًا لتحولٍ تاريخي يغيّر موازين القوى، ويعيد رسم خرائط الدول، ويكتب فصلًا جديدًا في تاريخ الأمم.

وهكذا كان شأن الرايات السود التي خرجت من خراسان.

حين تحركت الرايات السود

كيف بدأت الثورة العباسية زحفها نحو دمشق؟

لم يعد العمل السري كافيًا. فبعد سنوات طويلة من بناء التنظيم، وجمع الأنصار، وانتظار اللحظة المناسبة، أدرك قادة الدعوة العباسية أن الدولة الأموية دخلت مرحلة لم تعد قادرة فيها على احتواء أزماتها المتلاحقة.

كانت الخلافات تعصف بالبيت الأموي، والولايات البعيدة تزداد اضطرابًا، والقبائل تتنازع النفوذ، بينما أخذت هيبة السلطة المركزية تتراجع عامًا بعد عام. وهنا جاءت ساعة التحرك.

في سنة 129 للهجرة، أعلن أبو مسلم الخراساني بداية الثورة في خراسان، وارتفعت الرايات السود التي ستصبح لاحقًا شعار الدولة العباسية. ولم يكن اختيار اللون الأسود أمرًا عابرًا.

فقد تحول إلى رمز سياسي يجمع الأنصار تحت راية واحدة، ويمنح الثورة هوية تميزها عن خصومها، حتى أصبح ظهور تلك الرايات وحده كافيًا لإثارة القلق في معسكر الدولة الأموية.

لكن المفاجأة لم تكن في لون الرايات. بل في سرعة انتشارها.

فالمدن التي ظنت دمشق أنها بعيدة عن تأثير الدعوة، بدأت تفتح أبوابها للثوار، وبعض الحاميات فضلت الانسحاب بدل خوض معارك خاسرة، بينما انضم آخرون إلى الثورة بعدما أيقنوا أن ميزان القوى بدأ يتغير.

وكان أبو مسلم يدير المعركة بعقلية تختلف عن كثير من قادة عصره.

فلم يكن يسعى إلى انتصار سريع يستهلك قواته، بل إلى سلسلة من الانتصارات الصغيرة التي تُضعف خصمه تدريجيًا، وتزيد ثقة أتباعه، وتُقنع المترددين بأن المستقبل أصبح مع العباسيين لا مع الأمويين.

وفي دمشق، بدأت الأخبار تتوالى. مدينة بعد أخرى تخرج من النفوذ الأموي. وقائد بعد آخر يعجز عن إعادة الأمور إلى ما كانت عليه. ولأول مرة منذ عقود، شعرت الدولة أن الخطر الحقيقي لا يأتي من الروم على حدود الأناضول، ولا من البيزنطيين في البحر، ولا من القبائل المتمردة في الأطراف. بل يأتي من داخل العالم الإسلامي نفسه.

كانت الثورة تتحرك بسرعة، بينما كانت الدولة تتحرك بثقل إمبراطورية أنهكتها صراعات السنين. وهنا ظهر الفارق بين الطرفين. فالعباسيون كانوا يقاتلون وهم يحملون حلم إقامة دولة جديدة. أما الأمويون، فكانوا يقاتلون للدفاع عن دولة أنهكتها الخلافات، واستنزفتها الأزمات، وفقدت كثيرًا من قدرتها على المبادرة. ولم تكن المعارك مجرد صدام بين جيشين. بل كانت مواجهة بين مشروعين، ورؤيتين، وعصرين مختلفين.

ومع كل انتصار يحققه العباسيون، كانت هيبة الدولة الأموية تتراجع أكثر، وتزداد قناعة الناس بأن التاريخ بدأ يميل إلى جهة جديدة. ولم يعد السؤال المطروح في الأسواق والمجالس! هل تنتصر الثورة؟ بل أصبح السؤال! متى تصل إلى قلب الدولة؟

وكان الجواب يقترب بسرعة. ففي العراق، كانت المواجهة الكبرى تتهيأ. وفي غربه، كان آخر خلفاء بني أمية يحشد ما بقي لديه من جيوش لإنقاذ دولته.

أما على ضفاف نهر الزاب. فكان التاريخ يستعد لكتابة واحدة من أعظم المعارك الفاصلة في الحضارة الإسلامية. وهناك. لن يُحسم مصير جيشين فحسب، بل سيُحسم مصير دولة حكمت العالم الإسلامي قرابة تسعين عامًا، لتبدأ على أنقاضها دولة ستقود العالم الإسلامي لخمسة قرون تالية.

زر الذهاب إلى الأعلى