الرياضةمقالات

عندما تغيب العدالة… لا يخسر فريقٌ فقط، بل تهتز ثقة الشعوب في المؤسسات  ​

عندما تغيب العدالة…

لا يخسر فريقٌ فقط، بل تهتز ثقة الشعوب في المؤسسات

بقلم: أ. هبة شاهين – الإسكندرية

كانت مباراة المنتخب المصري أمس أكثر من مجرد مواجهة كروية؛ فقد تحولت إلى مساحة واسعة للنقاش حول العدالة، ونزاهة القرار، وحدود المسؤولية في إدارة المنافسات. وبين فرحة كانت تقترب وأملٍ كاد يكتمل، أثارت بعض القرارات التحكيمية حالة من الجدل، فإن الرسالة الأهم لا ترتبط بنتيجة مباراة، وإنما بثقة الناس في المنظومة التي تديرها. فحين يشعر الجمهور بأن العدالة أصبحت محل تساؤل، لا تتوقف الخسارة عند صافرة النهاية، بل تمتد إلى الثقة نفسها، وهي رأس المال الحقيقي لأي مؤسسة، وهنا تتجاوز القضية حدود المستطيل الأخضر، لتصبح درساً في الإدارة والقيادة وصناعة القرار.

فالانحراف الإداري لا يبدأ دائماً بقرار كبير أو مخالفة صريحة، بل يبدأ عندما يفقد صاحب القرار حياده، أو عندما تتحول السلطة من مسؤولية لخدمة الجميع إلى أداة لحماية النفوذ أو المصالح أو العلاقات؛ عندها تتراجع الكفاءة، وتتقدم الحسابات الشخصية، ويصبح الشعور بالظلم أكبر من الخطأ نفسه. ولعل أخطر ما في الانحراف الإداري أنه لا يترك أثره على الضحية المباشرة فقط، بل يصيب المنظومة كلها؛ فالموظف الذي تُسرق جهوده، أو يُحمَّل مسؤولية أخطاء لم يرتكبها، أو يُستبعد لأنه يرفض المجالمة، لا يفقد الحماس وحده، بل يفقد الثقة في قيمة الاجتهاد، ومع تكرار هذه الممارسات، تتحول بيئة العمل إلى مساحة للدفاع عن الذات بدلاً من صناعة النجاح.

ولهذا نجد أن مظاهر الانحراف الإداري تتشابه في كل مكان؛ من سرقة الإنجازات، والبحث عن كبش فداء، واحتكار المعلومات، وصناعة الخلافات، وتقديم الولاء على الكفاءة، وإدارة الأشخاص بالمخاوف بدلاً من الإلهام. وقد تمنح هذه الأساليب أصحابها نفوذاً مؤقتاً، لكنها تترك خلفها مؤسسات ضعيفة، وكفاءات محبطة، وبيئة عمل تفتقد الإبداع والانتماء. ولأن الرياضة مرآة للمجتمع، فإن ما يحدث داخل الملاعب يعكس في كثير من الأحيان ما يحدث داخل المؤسسات؛ فالعدالة ليست مطلباً رياضياً فقط، بل هي أساس الإدارة الرشيدة، وهي الضمان الحقيقي لاستمرار الثقة بين المؤسسة ومن تنتمي إليهم أو تخدمهم، لذلك فإن الشفافية في مراجعة القرارات ضرورة.

إن التاريخ لا يتذكر فقط من انتصر في مباراة، بل يتذكر أيضاً كيف أُديرت المنافسة، وهل شعر الجميع بأن الفرص كانت متكافئة وأن القانون طُبق على الجميع بالمعيار نفسه. وهذا هو المبدأ ذاته الذي تحتاجه مؤسساتنا؛ أن يشعر كل صاحب جهد بأن عمله سيُقدَّر، وأن حقوقه لن تضيع، وأن الكفاءة ستظل الطريق الأقصر للتقدم، فالعدالة أساس الاستقرار والنجاح. وعندما تكون القرارات عادلة وشفافة، يربح الجميع حتى مع الخسارة، أما عندما تغيب العدالة، فقد يفوز طرف في لحظة، لكن المنظومة كلها تخسر ثقة الناس، وهي خسارة يصعب تعويضها.

رسالة توعية: تبقى المناصب مؤقتة، والنتائج قابلة للتغيير، أما النزاهة فهي القيمة الوحيدة التي تمنح المؤسسات احتراماً يدوم، وتمنح الأوطان ثقة لا تهتز مهما اشتدت التحديات.

هل أنت مستعد؟

رحلة نجاحك قرارك أنت.

 

زر الذهاب إلى الأعلى