الدين و الحياةمقالات

كيف تحولت الدولة الأموية من عهد معاوية إلى أخطر أزمة هددت وجودها؟

سلسلة التاريخ من وراء الستار

 

كيف تحولت الدولة الأموية من عهد معاوية إلى أخطر أزمة هددت وجودها؟

 

بقلم / محمد مصطفى كامل

كلمة إلى القارئ

كان من المقرر أن ننتقل مباشرة إلى فصل الإمبراطورية التي عبرت القارات، لكن أثناء إعداد السلسلة بدا أن بين نهاية الفتنة الكبرى وبداية عصر الاتساع الأموي مرحلة لا يمكن تجاوزها فهي الجسر الذي يفسر كيف انتقلت الدولة من الاستقرار إلى أزمة جديدة، ثم عادت لتنهض من جديد.

لذلك آثرت أن نتوقف عند هذه المحطة التاريخية المهمة، حتى تظل أحداث السلسلة متصلة، ويأتي كل فصل ممهدًا لما بعده، فتُقرأ الوقائع في سياقها الطبيعي، لا كأحداث متفرقة.

لم يكن انتهاء الفتنة الكبرى يعني أن التاريخ قد استعاد هدوءه.

فبعض الجراح تلتئم ظاهريًا، لكنها تظل تخفي تحتها آثارًا لا تظهر إلا بعد سنوات.

فعام الجماعة أنهى الحرب، ووحّد الراية، وأعاد للدولة الإسلامية استقرارها، حتى بدا لكثيرين أن صفحة الانقسام قد طُويت إلى الأبد.

لكن التاريخ لا يكتفي بإغلاق الصفحات، بل يختبر دائمًا متانة ما كُتب فيها.

فما الذي يحدث حين يغيب الرجل الذي وحّد الدولة؟

وهل يكفي الاستقرار الذي صنعه قائد واحد ليضمن استقرار أمة كاملة؟

بين وفاة معاوية بن أبي سفيان وصعود عبد الملك بن مروان، عاشت الدولة الإسلامية سنوات كانت من أكثر مراحلها اضطرابًا وتعقيدًا، سنوات اختلطت فيها الاجتهادات السياسية بالمآسي الإنسانية، وتصارعت فيها مشاريع الحكم، حتى بدا أن الدولة التي خرجت من الفتنة قبل أعوام قليلة توشك أن تعود إليها من جديد.

في هذا الفصل من سلسلة التاريخ من وراء الستار، نتوقف عند تلك المرحلة الفاصلة التي مهدت لولادة الدولة الأموية في صورتها الجديدة، لنفهم كيف انتقل المسلمون من الاستقرار إلى العاصفة، ومن العاصفة إلى إعادة بناء واحدة من أعظم دول التاريخ الإسلامي.

بين الاستقرار والعاصفة

ليست كل الدول تسقط بسبب هزيمة عسكرية.

فبعضها يواجه أخطر اختباراته في اللحظة التي يظن فيها الناس أن الاستقرار قد تحقق، لأن المحافظة على الدولة بعد بنائها قد تكون أصعب من بنائها نفسه.

فعندما اجتمع المسلمون على معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه في عام الجماعة، انتهت سنوات طويلة من الفتنة، وعادت وحدة الأمة تحت راية واحدة.

وانصرف الخليفة الجديد إلى ما كانت الدولة في أمسّ الحاجة إليه؛ تثبيت الأمن، وتنظيم الإدارة، وحماية الثغور، واستئناف الفتوحات، حتى استعادت الدولة شيئًا فشيئًا مكانتها وهيبتها.

وعلى مدى نحو عشرين عامًا عاشت الدولة مرحلة من الاستقرار النسبي، اتسعت خلالها رقعة النفوذ الإسلامي، وقويت مؤسسات الحكم، وأصبحت دمشق مركزًا سياسيًا يقود واحدة من أكبر دول العالم آنذاك.

لكن التاريخ كان يُخفي اختبارًا جديدًا.

فمع تقدم معاوية في العمر، برز سؤال لم تعرفه الدولة الإسلامية من قبل بصورة عملية كيف ينتقل الحكم بعد وفاة الخليفة دون أن تعود الفتنة من جديد؟

ورأى معاوية أن مبايعة ابنه يزيد في حياته قد تمنع الصراع على السلطة وتحفظ وحدة الدولة.

غير أن هذا الاجتهاد لم يحظ بإجماع المسلمين، إذ امتنع عدد من كبار الصحابة وأبنائهم عن البيعة، وكان من أبرزهم الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، لا رغبةً في شق عصا المسلمين، وإنما لاختلافهم في الطريقة التي ينبغي أن ينتقل بها الحكم.

وبوفاة معاوية سنة ستين للهجرة، بدأت مرحلة جديدة اتسمت بالتوتر والاضطراب.

واتجه الحسين بن علي إلى العراق بعد أن تلقى رسائل كثيرة من أهل الكوفة يطلبون قدومه، لكن الأحداث انتهت بمقتله في كربلاء سنة إحدى وستين للهجرة، في واحدة من أكثر الوقائع إيلامًا في التاريخ الإسلامي، ولا يزال أثرها حاضرًا في وجدان المسلمين إلى اليوم.

ثم لم تلبث الأحداث أن ازدادت اضطرابًا.

فشهدت المدينة المنورة وقعة الحرة، ثم امتد القتال إلى مكة، حيث تعرضت للحصار أثناء مواجهة عبد الله بن الزبير مع جيش الدولة.

ولم يمض وقت طويل حتى توفي يزيد بن معاوية، لتدخل الدولة في فراغ سياسي خطير، وتتسارع الانقسامات بين الأقاليم.

وفي تلك الأثناء أعلن عبد الله بن الزبير نفسه خليفة، وبايعته الحجاز والعراق ومصر وأجزاء واسعة من الدولة الإسلامية، بينما انحصر نفوذ الأمويين في بلاد الشام وبعض المناطق المجاورة.

وبدا للمرة الثانية خلال أقل من ثلاثين عامًا أن الدولة الإسلامية تقف على حافة الانهيار.

لم تعد القضية خلافًا بين أفراد، بل أصبحت صراعًا على بقاء الدولة نفسها، بينما كانت الأخطار الداخلية والخارجية تترقب نتيجة هذا الانقسام.

وهكذا، فإن المرحلة التي أعقبت وفاة معاوية لم تكن مجرد انتقال للحكم، بل كانت واحدة من أعقد الفترات في التاريخ الإسلامي، إذ اختلطت فيها الاجتهادات السياسية بالمآسي الإنسانية، وتعددت الروايات، وتشابكت المواقف، حتى أصبحت قراءتها تحتاج إلى قدر كبير من الإنصاف والابتعاد عن التعصب.

لكن من قلب هذه الفوضى سيظهر رجل سيعيد جمع ما تفرق، ويبدأ واحدة من أكبر عمليات إعادة بناء الدولة في التاريخ الإسلامي.

ذلك الرجل هو عبد الملك بن مروان.

ومن هنا تبدأ الحكاية التالية .

حين وُلدت الدولة الأموية من جديد كيف أعاد عبد الملك بن مروان بناء الدولة الإسلامية بعد سنوات الفتنة؟

 

زر الذهاب إلى الأعلى