لا تحكم بالظاهر فبعض النعم لا تلغي الأوجاع
بقلم:رقيه فريد
هناك من يحسدك دون أن يشعر
حين تحكي عن وجعك هو يتسمع إلى نعمتك
فليس كل من تجلس أمامه وتشكى له ما يؤلمك، يسمع ألمك
فبعض الناس يستمعون بطريقة مختلفة.
تحدثه عن مشكلة في حياتك، فينسى المشكلة ويتذكر النعمة التي تحدثت عنها بين السطور دون قصد.
تقول له إنك مررت بيوم صعب، فيلتقط من حديثك أنك تملك شيئًا لا يملكه هو.
وأنت تظن أنك كنت تشتكي له ألمك
بينما هو كان يحصي عليك النعم.
وهنا تكمن واحدة من أكثر المفارقات غرابة في العلاقات الإنسانية.
أن تفتح قلبك لشخص لأنك تظنه مكانًا آمنًا، فتحدثه بعفوية عن حياتك، عن تعبك، عن مخاوفك، عن الأشياء التي تتمنى أن تتغير
ولا تنتبه أنك، بين جملة وأخرى، حكيت له أيضًا عن بعض النعم التي تعيشها.
قد تتحدث عن مشكلة في عملك، فيسمع أنك تعمل.
وقد تحكي عن خلاف عائلي، فينتبه إلى وجود أشخاص حولك.
تشكو من مسؤولياتك، فيرى ما تملك ولا يرى ما تتعب منه.
تحدثه عن حلم تخشى ألا يتحقق، فيسمع فقط أنك تملك حلمًا.
أنت كنت تحكي عن النصف الذي يؤلمك
وهو كان ينظر إلى النصف الذي يراه نعمة.
ليس كل من يفعل ذلك حاسدًا، بالطبع.
فالحسد شعور لا يمكننا أن نحكم على وجوده في قلب إنسان لمجرد نظرة أو تعليق.
لكن هناك من تشعر معه، مع الوقت، أن حديثك عن حياتك لا يصل إليه كما تقصده.
تحدثه عن تعبك، فيقارن.
تخبره عن خوفك، فيذكّرك بما تملك.
تشتكي من شيء فيقول لك: «وماذا تريد أكثر؟ أنت لديك كذا وكذا…»
وكأن امتلاك بعض النعم يلغي حقك في التعب.
وكأن الإنسان إذا كان لديه شيء جميل في حياته، فلا يحق له أن يتألم من شيء آخر.
وهنا يجب أن نتعلم شيئًا مهمًا:
النعم لا تلغي الأوجاع.
قد يكون الإنسان ممتنًا لما لديه، وفي الوقت نفسه متعبًا من شيء آخر.
أو يملك بيتًا، لكنه يشعر بالوحدة.
وقد يملك عملًا، لكنه يعيش ضغطًا.
يملك عائلة، لكنه يمر بخلافات تؤلمه.
ربما ينجح في جانب من حياته، بينما يتعثر في جانب آخر.
فالإنسان ليس قائمة من النعم، ولا مشكلة واحدة.
إنه حياة كاملة متشابكة من الفرح والتعب، والخوف والأمل، والنقص والاكتفاء.
ولهذا، حين يحكي لك أحدهم وجعه، لا تبحث سريعًا عما تملك أنت ولا يملكه.
استمع إليه كما هو
لا تحوّل اعترافه إلى مقارنة.
ولا تجعل ما قاله بعفوية يتحول في داخلك إلى حساب لما لديه.
فأجمل ما يمكن أن تقدمه لمن يفتح قلبه لك ليس النصيحة دائمًا
أحيانًا يكفي أن تسمعه دون أن تحاكم حياته.
و يكون الصمت أمام وجع إنسان أرحم من ألف كلمة.
أما نحن، فعلينا أيضًا أن نتعلم أن العفوية لا تعني أن نحكي كل شيء لأحد.
ليس خوفًا من الناس، ولا اتهامًا لهم.
ولكن لأن بعض تفاصيل حياتنا نعمٌ تستحق أن تبقى بيننا وبين الله، لا أن تصبح مادة للحديث والمقارنة.








