لننتصر لإنسانيتنا… آخر وطن يجمع البشر
كتب/ أحمد أمين عثمان
من المستفيد من تكاثر الحروب وتضيق مساحات الحوار وعلو ضجيج المصالح على صوت الضمير هنا يصبح السؤال الأكثر إلحاحا ماذا بقي للإنسان إذا فقد إنسانيته وآي حضارة هذه التي تبنى على أنقاض ورفاة الجثث.
لقد بلغ العالم من التقدم العلمي والتقني ما جعل المسافات تتلاشى لكنه ما زال يبحث عن أقصر طريق إلى قلب الإنسان.
فالحضارة لا تقاس بما نشيده من أبراج ولا بما نملكه من ثروات ولا بما نطوره من تقنيات بل بما نحفظه من كرامة الإنسان وبما نزرعه من عدل وبما نورثه للأجيال من قيم تجعل الحياة أكثر رحمة وسلاما.
إن السلام ليس إتفاقا يوقع ولا هدنة تنتهي بإنتهاء المفاوضات بل هو ثقافة تنبع من روح الإيمان بأن الإنسان لا يولد عدوا لأخيه الإنسان وأن الاختلاف سنة كونية وأن التنوع ليس سببا للصراع بل مصدرا للإبداع والتكامل.
فكل حضارة عظيمة بدأت بفكرة وكل فكرة عظيمة بدأت بإحترام الإنسان وليس التسامح تنازلا عن المبادئ بل إنتصارا عليها.
إنه القوة التي تمنع بذور الكراهية من أن ترث المستقبل والحكمة التي تحول الألم إلى وعي والإختلاف إلى فرصة للتلاقي.
فالمجتمعات التي تتقن فن التسامح لا تلغي التعدد بل تحوله إلى طاقة للبناء وتدرك أن الإنسان لا يعرف بما يفرقه عن الآخرين بل بما يجمعه معهم من قيم الرحمة والعدل والكرامة.
أما التنمية فهي الوجه العملي للسلام فلا سلام يدوم مع الفقر ولا إستقرار يترسخ في ظل الجهل ولا مستقبل يزدهر حيث تغيب العدالة وتضيق الفرص.
وكل مدرسة تبنى هي إنتصار على الجهل وكل مستشفى يفتح أبوابه هو إعلان إنتصار للحياة وكل فرصة عمل تمنح لشاب أو شابة هي خطوة جديدة نحو عالم أكثر أمنا وإستقرارا.
ويقف الإعلام اليوم أمام إختبار تاريخي فالكلمة لم تعد مجرد وسيلة لنقل الخبر بل أصبحت قوة قادرة على تشكيل الوعي الجمعي وبناء الجسور أو هدمها.
والإعلام الذي ينحاز للحقيقة ويرفض التحريض ويؤمن بأن الإنسان هو القيمة العليا لا يكتفي برصد الواقع بل يشارك في صناعته ويمنح الأمل مكانا في مستقبل تتنازعه الأزمات.
لقد أثبتت تجارب الأمم أن السلام لا يفرض بالقوة بل يبنى بالثقة وأن التنمية لا تشترى بالمال وحده بل تصنع بالإرادة والعدل وأن الإنسانية لا تختبر في أوقات الرخاء بل في لحظات الألم حين يختار الإنسان أن يمد يده لإنقاذ غيره بدل أن يدير وجهه عنه.
إن أطفال العالم لا يحلمون بلغات مختلفة بل يحلمون بالأمان ذاته والأمهات في كل القارات
لا يصلين لأوطان متباينة بل يدعون أن يعود أبناؤهن سالمين.
والدمعة لا تعرف جنسية والجوع لا يميز بين لون وآخر والأمل لا يحتاج إلى ترجمة.
لذلك فإن الدفاع عن الإنسان هو الدفاع عن مستقبل البشرية كلها.
لقد آن الأوان أن ندرك أن أعظم إستثمار ليس في السطو على الموارد بل الإستثمار في بناء الإنسان وأن أقوى حدود هي تلك التي تحمي الكرامة لا التي تفصل بين الشعوب ببناء سور وأن الحضارة التي تكرم الإنسان تبقى أما التي تهينه فمهما بلغت قوتها فإنها تحمل بذور أفولها في داخلها.
فلنجعل من السلام منهجا ومن التسامح سلوكا ومن التنمية مسؤولية مشتركة ومن الإعلام رسالة تنير العقول ولا تؤجج الكراهية.
ولنجعل الإنسان أيا كان موطنه أو لغته أو ثقافته القيمة التي تلتقي عندها كل الأمم.
فقد نختلف في الخرائط لكننا نتشابه في الأحلام.
وقد تتعدد أسماء الأوطان لكن الإنسانية ستظل الوطن الأكبر الذي يتسع للجميع.
وحين ينتصر الإنسان لإنسانية الإنسان ينتصر العالم بأسره







