ماذا تعلمت بعد هذا العمر؟
بقلم / ممدوح عكاشة
بعد سنوات طويلة من العمر، أدركت أن الإنسان لا يتعلم من الكتب وحدها، ولا من النصائح التي يسمعها، وإنما يتعلم أكثر من المواقف، والخذلان، والنجاح، والخسارة، ومن الوجوه التي مرت بحياته ثم اختفت.
تعلمت أن الناس معادن، وأن بعض الأشخاص يقتربون منك وقت المصلحة، فإذا انتهت المصلحة انتهى معها الود، بينما هناك من يقف بجانبك دون أن تطلب منه شيئًا، وهؤلاء هم الذين يستحقون أن نحافظ عليهم.
تعلمت ألا أعطي ثقتي بسهولة، وأن الطيبة شيء جميل، لكن الطيبة بلا حدود قد تجعل الآخرين يستغلونك. وتعلمت أن الصمت في بعض المواقف ليس ضعفًا، بل هو أحيانًا أبلغ رد.
تعلمت أن المال مهم، لكنه لا يشتري راحة البال، وأن الصحة أغلى من كل ما نجمعه، وأن الإنسان قد يقضي عمره كله يبحث عن أشياء كثيرة، ثم يكتشف في النهاية أن أجمل ما كان يملكه هو الأيام الهادئة، والأهل، والصديق الصادق، وراحة الضمير.
تعلمت أيضًا ألا أحزن كثيرًا على من اختار الرحيل. فمن أراد البقاء سيجد ألف سبب للبقاء، ومن أراد الرحيل سيجد ألف حجة للرحيل.
وتعلمت أن الاعتذار لا يقلل من قيمة الإنسان، والتواضع لا يعني الضعف، والعفو لا يعني أنك نسيت ما حدث، وإنما يعني أنك قررت ألا تحمل في قلبك ما يؤذيك.
بعد هذا العمر، لم أعد أبحث عن كثرة الأصدقاء، بل عن صدق القلوب. ولم أعد أهتم كثيرًا بمن يتحدث عني، فقد أدركت أن الإنسان لا يستطيع أن يمنع الآخرين من الكلام، لكنه يستطيع أن يجعل أفعاله أقوى من كلامهم.
وأهم ما تعلمته أن العمر ليس بعدد السنوات التي عشناها، وإنما بعدد الدروس التي فهمناها، والقلوب التي لم نكسرها، والناس الذين أسعدناهم، والمواقف التي خرجنا منها أكثر حكمة.
واليوم، لو عاد بي الزمن، ربما لن أغير كل أخطائي؛ لأن بعضها كان ضروريًا حتى أصل إلى هذه القناعة.
فبعد هذا العمر، لم أعد أريد الكثير… أريد قلبًا مطمئنًا، وضميرًا مرتاحًا، وأشخاصًا صادقين، وأيامًا تمر دون أن نخسر فيها أنفسنا.
فالحياة في نهايتها ليست مسابقة في من جمع أكثر، وإنما في من عاش بصدق، وأحب بصدق، وترك أثرًا طيبًا قبل أن يرحل







