من قلب القاهرة التي لا تنام، حيث الحبر يسبق الخبر والكلمة تصنع مصير أمة، خرجت أسماء الحسيني لتكتب لا باليد وحدها، بل بالضمير. كاتبة صحفية لا تكتفي برصد الواقع، بل تغوص فيه حتى تصل إلى عظمه، ثم تعود لتضعه أمام القارئ بلغة لا تخدع ولا تُجمّل، لغة من عرف أن الصحافة أمانة قبل أن تكون مهنة.
مديرة تحرير في مؤسسة الأهرام، هذا الصرح الذي حمل على ظهره تاريخ مصر الحديث، فلم تكن أسماء الحسيني فيه موظفة عابرة، بل كانت من الذين يحرسون بوابته. في غرف التحرير حيث يتقاطع العاجل مع المهم، وحيث يُكتب التاريخ أولاً بأول، كان لها صوت هادئ لا يعلو لكنه يُسمع. تراجع السطر وتحذف الزائد وتُبقي على الجوهر، لأنها تؤمن أن القارئ لا يحتاج إلى ضجيج، بل إلى فهم. ومن هنا جاءت هيبتها: لا تبحث عن العناوين الصاخبة، بل عن المعنى الذي يبقى بعد أن تُطوى الصحيفة.
لكن الأهرام لم تحبسها داخل حدود الوطن. حملتها الكلمة إلى حيث يتسع السؤال، إلى الشأن العربي والإفريقي، ذلك الفضاء الذي لطالما نظرنا إليه من بعيد ثم اكتشفنا أن مصائرنا معلقة به. خبيرة بالشأن العربي والإفريقي، لا بالمعنى الأكاديمي الجاف، بل بالمعنى الحي. سافرت، وسألت، واستمعت إلى صوت الشارع في الخرطوم كما استمعت إليه في الجزائر، وفهمت نبض السوق في نيروبي كما فهمته في بيروت. أدركت أن العروبة والإفريقية ليستا جغرافيا على الخريطة، بل دم واحد يجري في عروق شعوب تبحث عن مكانها في عالم لا يرحم الضعفاء.
ولهذا لم تكن كتاباتها تقارير باردة. كانت جسراً. تكتب عن أزمة المياه في النيل فلا تتحدث عن أرقام فقط، بل عن فلاح ينتظر الدور وعن طفل يشرب من جردل وعن سياسة تُقرر في قاعات مغلقة. تكتب عن التكامل العربي الإفريقي فلا ترفعه شعاراً، بل تنزل به إلى معبر حدودي، إلى تاجر صغير، إلى طالب يدرس في القاهرة ويحلم بالعودة ليبني بلده. هذه هي الصحافة التي تؤمن بها أسماء الحسيني: صحافة تُنزل الكبار من أبراجهم وتُصعد الصغار إلى الصفحة الأولى.
ولأنها عرفت أن الكلمة وحدها لا تكفي إذا لم يكن من يحملها مؤهلاً، اختارت طريقاً آخر. نائب رئيس اتحاد الإعلاميين الأفريقي الآسيوي لشؤون التدريب والتأهيل. لقب طويل، لكنه في الحقيقة اختصار لمشروع عمر. مشروع يقول إن مستقبل الإعلام لا يُبنى بالمعدات، بل بالعقول. جلست مع شباب من لاغوس ودار السلام وجاكرتا وعمّان، وعلمتهم أن الخبر ليس سبقاً، بل مسؤولية. علمتهم أن تسأل من لا يُسأل، وأن تكتب عن من لا يُكتب عنه، وأن تتحمل ثمن الكلمة إذا كانت صادقة.
في التدريب كانت أسماء الحسيني مختلفة. لا تعطي محاضرات، بل تحكي. تحكي عن خطأ ارتكبته في بداية الطريق فتعلمت منه، وعن مصدر وثق بها فلم تخنه، وعن مقال كاد أن يُحذف فأصرت عليه لأنه كان حقاً. تقول للمتدربين: لا تخافوا أن تكونوا صغاراً في البداية، خافوا أن تكبروا بلا ضمير. وتقول لهم: إفريقيا وآسيا ليستا هامشاً في الإعلام العالمي، هما المركز القادم، ومن يفهم لغتهما اليوم سيكتب تاريخ الغد.
من يقرأ لها يلاحظ أمرين لا ثالث لهما: الدقة والرحمة. الدقة في المعلومة، فهي ابنة مدرسة الأهرام التي لا تغفر خطأ رقماً. والرحمة في السرد، فهي ابنة صحافة تؤمن أن خلف كل إحصائية إنسان. لا تجلد الوطن ولا تُبرئه، بل تضعه أمام المرآة وتقول: هذا أنت، فماذا ستفعل؟ وفي الكتابة عن إفريقيا لا تقع في فخ النظرة الاستعلائية ولا في فخ المثالية الساذجة. تراها قارة تتنفس وتتعثر وتنهض، تماماً كما نفعل.
أسماء الحسيني لا تكتب لترضي. تكتب لتوقظ. ولهذا تجد مقالاتها تُقرأ في المقاهي وفي مكاتب الوزراء. تُغضب أحياناً لأنها تلمس الجرح، وتُريح أحياناً لأنها تضع يدها على الدواء. تؤمن أن الصحفي ليس محايداً بمعنى أن لا رأي له، بل محايد بمعنى أن ولاءه الأول للحقيقة، حتى لو كانت قاسية.
وفي زمن تحولت فيه كثير من المنابر إلى صدى، بقيت هي صوتاً. صوت يقول إن العرب بحاجة إلى إفريقيا كما تحتاج إفريقيا إلى العرب، وأن أمن القاهرة يبدأ من منابع النيل، وأن شباب آسيا وإفريقيا إذا تدربوا معاً سيصنعون إعلاماً لا ينتظر أن يُترجم له الغرب قضاياه.
ثلاثة عقود من الكتابة والتحرير والتدريب لم تُبدل ملامحها كثيراً. لا تزال تدخل غرفة الأخبار باكراً، ولا تزال تراجع العناوين بقلم أحمر، ولا تزال ترد على رسائل الشباب الذين يطلبون النصيحة. لا تبحث عن أضواء، لأنها تعرف أن الأضواء تطفئ بسرعة، لكن الكلمة إذا صدقت تبقى.
أسماء الحسيني ليست مجرد اسم في ترويسة الأهرام، ولا مجرد منصب في اتحاد قاري يرأسه السيد نزار الفارس. هي حالة. حالة صحفية تؤمن أن القلم إذا لم يخدم الناس صار زينة، وأن الخبرة إذا لم تُورث صارت أنانية. هي من القلائل الذين جمعوا بين سلطة التحرير وحكمة التدريب وبصيرة الخبيرة، فصار لها في كل عاصمة عربية وإفريقية تلميذ، وفي كل قضية مصيرية رأي يُحترم.
وفي النهاية، التاريخ لا يحفظ كل من كتب. يحفظ من كتبوا للناس لا عن الناس. وأسماء الحسيني منهم. كتبت عن العرب فذكرتهم بإفريقيا، وكتبت عن إفريقيا فذكرتها بالعرب، ودربت الجيل الجديد على أن يكون صوته لا صوت غيره. “دون ذلك” تبقى الصحافة صنعة، “وأكثر” هو ما فعلته هي: جعلتها رسالة.









