أخبار عالميةسياسة و اقتصاد
مخطط الـ 70%: كيف يستغل «نتنياهو» الارتباك الدولي لـ (سرقة) جغرافيا غزة؟
كتب: حازم السيد
في ظل استمرار انشغال العالم بتداعيات المواجهة الأمريكية – الإيرانية وانعكاساتها على أمن واستقرار المنطقة، تواصل حكومة الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ سياسة التوسع وفرض الأمر الواقع على الأرض الفلسطينية، مستغلة حالة الارتباك الدولي وتراجع الاهتمام العالمي بما يجرى في قطاع غزة، وفي هذا السياق، جاء إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بإصدار أوامر برفع نسبة السيطرة على أراضي القطاع إلى ٧٠٪، ليعكس توجهاً واضحاً نحو تكريس الاحتلال وتوسيع نطاقه الجغرافي على حساب الحقوق الفلسطينية.
ويرى مراقبون أن هذا التوجه لا ينفصل عن الحسابات السياسية الداخلية لـ«نتنياهو»، الذي يسعى إلى تعزيز موقعه لدى التيارات اليمينية المتشددة والناخب الإسرائيلي، عبر تقديم مزيد من المكاسب الميدانية على الأرض، في وقت تتزايد فيه الضغوط القانونية والسياسية التي يواجهها داخلياً، كما أن استمرار سياسة التمدد والاستيلاء على الأراضي يهدد بتقويض أي فرص حقيقية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، ويعمق من حالة التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة، وسط مخاوف متزايدة من أن تتحول هذه الإجراءات إلى واقع دائم يصعب تغييره مستقبلاً.
في البداية، قال اللواء أركان حرب أسامة كبير، المستشار بكلية القادة والأركان والخبير العسكري والاستراتيجي، إن أهداف «نتنياهو» من تصريحه بإعطاء أمر للجيش بزيادة السيطرة في قطاع غزة إلى ٧٠٪ من مساحة القطاع تسمى أهدافاً «جيوبوليتيكية»، أي توسعية في جغرافيا الأرض، وتكون هذه الأهداف إما بالاحتلال، أو استرداد الأرض لو كانت مغتصبة، موضحاً أن «نتنياهو» يحاول تحقيق مكتسبات سريعة، خوفاً من وصول الأمريكان وإيران لصيغة تفاهم وبالتالي يفقد حساباته، خاصة أن هدفه من التوسع عندما تذهب الأزمة للحل ينزل من ٦٠٪ أو ٧٠٪ حسب ما صرح به مؤخراً إلى ٦٠٪ أو ٥٠٪ من مساحة القطاع المحتلة وهذا دأب الإسرائيليين في التفاوض، وبذلك يكون قد حقق مكاسب توسعية باحتلال مزيد من الأراضي في اتجاه غزة والضفة ولبنان وهكذا، وأن الإعلان عن زيادة السيطرة إلى ٧٠٪ عقبة جديدة على الأرض في التفاوض، و«نتنياهو» نفسه أثناء العدوان على «غزة» في ٢٠٢٤ أعلن ما يسميه عبثاً مخطط إسرائيل الكبرى وهي أضغاث أحلام لن تتحقق، حيث إن المخطط قام بدعمه السفير الأمريكي مايك هاكابي في تل أبيب منذ شهور قليلة، عندما صرح بأن من حق إسرائيل التوسع حسب عقائدهم وأسفارهم.
وأوضح «كبير» أن إعلان «نتنياهو» زيادة السيطرة إلى ٧٠٪ من مساحة القطاع له أهداف تتعلق بالداخل الإسرائيلي، على رأسها رغبته بالبقاء على رأس الحكومة في انتخابات أكتوبر القادم، بالإضافة إلى الهروب من الملاحقات القانونية والقضائية الداخلية التي ثبتت عليه، ولم يستطع الرئيس الإسرائيلي إسحاق هيرتسوج إعطاءه العفو الرئاسي، وبالتالي «نتنياهو» معرض للسجن، ومن ثم السعي وراء الحرب والتوسع في جغرافيا القطاع بالاحتلال يعطى «نتنياهو» رصيداً جديداً لدى المكون الداخلي الإسرائيلي، ليظهر أمام شعبه بأنه الرجل الوحيد الذي وسع مساحة الدولة جغرافياً، بما يتماشى مع المزاج العام الإسرائيلي، مشدداً على أن إعادة قضية غزة إلى قوامها الصحيح حسب اتفاقية شرم الشيخ، سوف يتحقق بالانتهاء من الأزمة الإيرانية – الأمريكية، التي كان «نتنياهو» سبباً رئيسياً في إشعالها حتى تنشغل أمريكا، الراعي الرئيسي لاتفاق غزة، بالحرب مع إيران، لافتاً إلى أن مشكلة إيران مرتبطة بمشكلة لبنان، فأصبح الموضوع معقداً، بمعنى أن هناك عقدة رئيسية تتفرع منها مثلاً خمس عقد فرعية وعند حل أحدها يعقد «نتنياهو» الأخرى، لأنه يعلم أن إيران لن تتنازل عن الجنوب اللبناني من أجل حزب الله؛ لذا يكثف من عملياته العسكرية في الجنوب اللبناني، منوهاً بانشغال الجميع بالحرب الأمريكية- الإيرانية، باستثناء مصر الوحيدة التي لم تنس القضية، والدليل عقد مؤتمرين في أواخر أبريل وأوائل مايو الماضيين.
من جانبه، كشف الدكتور حسن سلامة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن نتنياهو أصبح على المحك، وما بين أسبوع وآخر يكسب مقعد ويخسر مقعد بالتناوب، ما جعله غير قادر على تشكيل الحكومة بمفرده، ويحتاج ائتلاف لتشكيل الحكومة، وهو يغازل الناخب الإسرائيلي بتحقيق الأمن، من خلال مزيد من السيطرة على الأرض، وما يفعله في غزة لسكان الجنوب يوضح مخططه بعدم قبول دولة فلسطينية، لأنها تهدد الأمن الإسرائيلي ونفس الشيء في لبنان باحتلال نحو ٣٠ كيلو مغازلة لسكان الشمال الإسرائيلي بعمل منطقة آمنة، ما يعكس حالة من الأمل لدى الناخب الإسرائيلي، لأن «نتنياهو» بما يفعله أصبح في نظرهم زعيماً وبطلاً قومياً عند الصهاينة، والدليل أنه ينجح في كل استطلاع رأى يؤكد أنه الأنسب لرئاسة الحكومة، لأنه يستخدم بكفاءة المفاتيح الدينية، والنفسية، والسياسية للكيان الإسرائيلي الذي أقيم على فكرة دينية، ويستغل الظرف في الوقت الراهن من انشغال العالم كله بما يحدث بين إيران وأمريكا ويحاول من خلال الحدث إثبات قدرته على الهيمنة بمشروعه، عبر السيطرة على غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان، من خلال الإخلال بالاتفاقيات، بالإضافة إلى مساعيه لفرض سياسة الأمر الواقع الميداني على القطاع، بحيث إذا ما انتقلنا إلى مرحلة التفاوض يكون التفاوض على لا شيء، من خلال عدم وجود أرض حتى تتم إقامة دولة عليها، ما يعكس الإرادة الحقيقية الإسرائيلية في عدم قبولها بإقامة دولة فلسطينية تعيش في سلام جنباً إلى جنب مع الكيان الصهيوني.
وأضاف «سلامة» أن «نتنياهو» فجّر الحرب الأمريكية – الإيرانية لإبعاد عيون العالم عن غزة، والثاني اكتمال مخططه، رغم سيطرته على ٦٠٪ من مساحة القطاع ويسعى إلى زيادة ١٠٪ آخرين، معبراً عن أسفه لانشغال العالم بالاقتصاد العالمي والتداعيات السياسية الأخرى، لافتاً إلى أنه لو تم التوصل لاتفاق بين أمريكا وإيران، قد تعود القضية الفلسطينية للصدارة، خاصة أن فرص الحل كانت موجودة بالفعل، ولكن إسرائيل لم تكن لديها الرغبة للحل، بسبب عدم وجود رادع لها، متابعاً: لا ولن يتم التهجير وسوف يظل الوضع كما هو من الجمود وحلحلة الوضع ليست مسألة سهلة، وللأسف الوضع ينذر بمزيد من احتلال الأرض وسرقتها ومزيد من معاناة الشعب الفلسطيني، لكن سيبقى الشعب الفلسطيني موجوداً على أرضه، ومخطط التهجير موجوداً أيضاً، ولو سنحت الفرصة لإسرائيل سوف تنفذه وستحاول فيه، لكن على الصعيد المصري سوف يظل المخطط مستحيلاً، لأن مصر حتى اليوم تقدم المساعدات بما يعطى فرصة للغزيين للتمسك بأرضهم، لافتاً إلى أن مصر تذكر العالم بالقضية الفلسطينية بشكل دائم.
من ناحيته، أكد الدكتور أيمن الرقب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، أن «نتنياهو» يدرك أن المقاومة الفلسطينية في غزة لا تمتلك أدوات للرد على جرائم الاحتلال، وتبريره لتجاوز الخط الأصفر غير حقيقي والهدف منه تبرير جرائمه نحو الشعب الفلسطيني، وحديث «نتنياهو» عن نية السيطرة على ٧٠٪ من القطاع يعكس التدرج للوصول إلى الخطة «B» من الخطة الأمريكية – الإسرائيلية من السيطرة على قطاع غزة، ما يؤكد أن الأمور أصبحت واضحة بأن الأمر يتعلق بإجراءات مستمرة من جانب الاحتلال الإسرائيلي بإجرام مستمر ضد الشعب الفلسطيني مع عجز المجتمع الدولي عن فعل شيء، وأن من يملكون صناعة القرار عاجزون عن فعل شيء في هذا الصدد، وهذا الأمر مآلاته خطيرة جداً، فإذا ما تغول الاحتلال واستمر في عمليات السيطرة على قطاع غزة سوف نشهد احتلال مساحات كبيرة من القطاع، وفي المقابل هناك عجز كبير في مواجهة الاحتلال، مشيراً إلى أن هناك خطوات من مصر لإنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر الدعوة إلى اجتماع عاجل للفصائل الفلسطينية لوضع رؤية شاملة لوقف انهيار المشروع بشكل كامل، والذهاب إلى تهدئة للوصول إلى أقل تقدير بالانتقال إلى مرحلة جديدة من وقف الحرب، وإذا ما نجح الوسطاء، وعلى رأسهم مصر، سوف يمكن حينئذ كبح جماح «نتنياهو» الذي يسعى لمزيد من العدوان وهو مقبل على انتخابات، ويحتاج إلى مزيد من العنف ضد شعبنا الفلسطيني للبقاء على رأس الحكومة، مبدياً مخاوفه بشأن استمرار العدوان مع الانتخابات، ومواصلة المعاناة على غزة بصفتها الحلقة الأضعف لإرضاء الناخبين باحتلال جزء أكبر منها، وإزاحة الكتلة السكانية إلى مدن جديدة سوف تبنى في رفح وشرق خان يونس بشكل مؤقت ثم يحتل الشريط الساحلي.





