هنا نابل
بقلم / المعز غَنِـي
العين تدمع على فراقك والقلب يحزن لغيابك
أسبوعٌ على رحيلك يا هشام … وما زالت العين تدمع، والقلب لم يتعلّم الغياب ، حين يمرّ أسبوعٌ على الموت… ولا يمرّ الراحل من القلب .
ليس كل رحيلٍ يُقاس بالأيام، وليس كل غيابٍ تستطيع عقارب الساعة أن تختصره.
هناك أناسٌ حين يرحلون ، لا يغادرون حياتنا دفعةً واحدة … بل يتركون خلفهم تفاصيلهم الصغيرة ، أصواتهم ، ضحكاتهم ، مواقفهم ، أماكنهم ، وكلماتهم التي تظلّ معلّقة في الذاكرة ، كلما مرّ طيفهم في القلب .
اليوم يمرّ أسبوع على وفاة صهري العزيز هشام بن الحبيب العابد… أسبوعٌ كامل منذ غاب عن أعيننا ، لكنه لم يغب عن قلوبنا .
سبعة أيام مرّت ثقيلةً على الروح ، كأن الزمن توقّف لحظة وصول خبر الرحيل ، وكأن القلب ما زال ينتظر أن يُقال لنا : لقد كان الأمر مجرد حلم … وسيعود هشام كما كان .
لكنها الحقيقة التي لا مهرب منها .
الموت حق … والفراق وجع … والحنين ثمن المحبة .
وما أقسى أن تفتح ذاكرتك على إنسانٍ تحبه ، فتجده حاضرًا في كل شيء ، ثم تلتفت فلا تجده أمامك .
رحم الله هشامًا … ذلك الإنسان الذي غادر الدنيا ، وترك وراءه مساحةً من الصمت لا تملؤها الكلمات.
—
أن العين تدمع … لأن القلب أحبّ
قال رسول الله ﷺ عند وفاة إبنه إبراهيم:
«إن العين تدمع، والقلب يحزن ، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون.»
وما أصدق هذه الكلمات أمام لحظات الفقد .
نعم …
العين تدمع .
والقلب يحزن .
والروح تنكسر .
لكننا ، رغم الوجع ، لا نقول إلا ما يرضي الله .
أن العين تدمع على فراقك يا … هش .
نعم يا هشام …
قد نعجز عن الكلام ، وقد تخوننا العبارات ، وقد نقف أمام صورتك طويلًا وكأننا نبحث فيها عن شيء من حضورك ، لكن الدعاء يبقى اللغة الوحيدة التي نستطيع أن نرسلها إليك من عالمنا إلى عالمك .
نذكرك اليوم لا بالبكاء فقط ، وإنما بالدعاء .
نذكرك لأن الإنسان لا يموت تمامًا حين يُدفن جسده ؛ بل يبقى حيًا في ذاكرة من أحبوه ، وفي الدعوات التي تصعد بإسمه ، وفي الأثر الطيب الذي تركه في هذه الحياة .
—
أسبوعٌ كامل … وما زال السؤال في القلب
من أصعب الأشياء في الموت أن العقل يفهم الحقيقة ، بينما القلب يحتاج وقتًا طويلًا حتى يستوعبها .
العقل يقول : رحل .
لكن القلب يقول : لا يزال هنا .
العقل يعرف أن القبر أغلق أبوابه على الجسد .
لكن القلب يفتش عن وجهه في الصور ، وعن صوته في الذاكرة ، وعن حضوره في تفاصيل الحياة اليومية .
وهكذا يبدأ الإنسان رحلةً جديدة مع الفقد …
رحلة لا يملك فيها سوى الصبر والدعاء .
تمر الأيام ، يعود الناس إلى أعمالهم ، تستمر الحياة في شوارعها ومقاهيها وبيوتها ، تشرق الشمس كعادتها ، وتتعاقب الساعات ، لكن بيت الفقيد وأهله ومحبيه يعرفون أن شيئًا ما تغيّر إلى الأبد .
فالموت لا يغيّر عدد أفراد العائلة فقط … بل يغيّر شكل الحياة داخلها .
كرسيّ يصبح فارغًا .
صورة تصبح أغلى .
صوت يصبح ذكرى .
ومناسبة كانت تجمع الأحبة تصبح ناقصةً بغياب شخصٍ واحد .
—
إلى كل من وقف معنا … شكرًا من القلب
وبمناسبة مرور أسبوع على وفاة فقيدنا العزيز هشام العابد ، أتقدّم بإسمي الشخصي وأصالةً عن نفسي ، وبكل مشاعر الوفاء والإمتنان ، إلى كافة الأهل والعائلات المتصاهرة ، وإلى أصدقائه الأوفياء ، وزملائه الأعزاء، وإلى كل من شاركنا هذه المحنة الإنسانية الصعبة وهذا المصاب الجلل.
إلى كل من كان حاضرًا معنا …
إلى كل من قطع مسافة ليشاركنا الحزن …
إلى كل من جلس معنا في لحظات الصمت …
إلى كل من صافحنا وقال كلمة مواساة …
إلى كل من أتصل بنا هاتفياً …
إلى كل من أرسل رسالة قصيرة …
إلى كل من كتب لنا على مواقع التواصل الاجتماعي الفايسبوك …
إلى كل من رفع يديه إلى السماء وقال :
اللهم أرحم هشامًا وأغفر له .
لكم جميعًا نقول:
شكرًا …
لكن كلمة ” شكرًا ” تبدو صغيرة جدًا أمام حجم ما قدمتموه لنا من مواساة ووقوف إلى جانبنا .
لقد كنتم معنا في لحظةٍ كان فيها الكلام ثقيلًا ، والدموع أقرب من الحروف ، والحزن أكبر من قدرتنا على التعبير .
فجزاكم الله عنّا خير الجزاء .
شكر الله سعيكم ، وعظّم أجركم ، وأحسن عزاءكم ، وغفر لموتاكم ، ولا أراكم الله مكروهًا في عزيز أو غالٍ عليكم.
—
إلى هشام … رسالة لا تصلها إلا السماء
يا هشام …
لو كان بإمكاننا أن نرسل رسالة إلى الموتى كما نرسل رسالة عبر الهاتف ، لكتبنا لك كثيرًا .
لكنا قلنا :
لقد أشتقنا إليك .
ولقلنا :
إن غيابك موجع .
ولقلنا :
إن البيت ما زال يتذكرك .
ولقلنا :
إن صورتك لم تعد مجرد صورة … أصبحت ذاكرة .
ولقلنا :
إننا كلما ذكرناك ، قلنا بعدها : رحمه الله.
لكننا نعرف أن رسائلنا لن تصل إليك إلا في صورة دعاء .
لذلك سنكتب لك بالدعاء …
اللهم أرحم هشامًا .
اللهم أجعل قبره نورًا ، ومدخله رحمة ، ومقامه جنة .
اللهم آنس وحشته ، وأرحم غربته ، وأغفر ذنبه ، وتجاوز عن سيئاته .
اللهم أجعل قبره روضةً من رياض الجنة .
اللهم أفتح له بابًا إلى الجنة ، يأتيه منه روحها وريحانها ونعيمها .
اللهم أجعل القرآن شفيعًا له ، والعمل الصالح أنيسًا له ، والرحمة غطاءً له .
اللهم إن كان محسنًا فزد في إحسانه ، وإن كان مسيئًا فتجاوز عن إساءته .
اللهم أجعل كل ألمٍ مرّ به في الدنيا كفارة ، وكل صبرٍ صبره رفعةً في درجاته .
اللهم أجعل له من رحمتك نصيبًا لا ينقطع ، ومن مغفرتك بابًا لا يُغلق ، ومن رضوانك مقامًا كريمًا .
اللهم أرحمه رحمةً واسعةً تليق بكرمك ، لا بعمله .
اللهم أجمعنا به في جنات النعيم ، في مستقر رحمتك ، حيث لا موت ولا فراق ولا حزن .
—
ولأهله…
لزوجته ألفة قيراس حرم العابد
لأبنه الحبيب العابد
لابنته زينب العابد
لوالدته فاطمة البشالي حرم العابد ( القائدة )
لشقيقته السيدة هالة
لشقيقته السيدة كوثر
إلى أصهاره
الصبر ليس نسيانًا
إلى عائلة هشام وأهله وذويه ومحبيه …
أعرف أن الكلمات لا تستطيع أن تملأ مكان الراحل ، ولا أن تعيد وجهًا غاب ، ولا أن توقف دمعةً خرجت من قلبٍ موجوع .
لكن عزاءنا جميعًا أن الله أرحم به منّا .
وأن هذه الدنيا ، مهما طالت ، ليست دار بقاء .
وأن أجمل وفاء للراحل ليس أن نبقى أسرى للحزن ، بل أن نحوله إلى دعاء ، وإلى صدقة ، وإلى عمل صالح ، وإلى ذكرٍ طيب .
رحم الله هشامًا ، وربط على قلوبكم ، وجبر كسركم ، ومنحكم صبرًا لا ينكسر ، وإيمانًا لا يتزعزع .
—
بعد أسبوع … ماذا يبقى من الإنسان؟
يبقى الأثر .
تبقى السيرة الطيبة .
تبقى المحبة .
تبقى الذكريات .
وتبقى الدعوات .
قد يأخذ الموت الإنسان من بين أيدينا ، لكنه لا يستطيع أن يأخذ ما زرعه في قلوبنا .
وهذه هي العدالة الجميلة في الحياة :
أن الجسد يرحل ، لكن الأثر يبقى .
قد يختفي الصوت ، لكن كلماته تبقى .
قد يغيب الوجه ، لكن ملامحه تبقى في الصور والذاكرة .
قد ينتهي اللقاء ، لكن المحبة لا تنتهي .
ولهذا سنظل نذكر هشامًا بالخير ، ونترحم عليه ، ونرفع إسمه في الدعاء .
—
كلمة أخيرة …
بعد أسبوع من رحيلك يا هشام ، لا نملك إلا أن نقول :
رحلتَ ، لكنك لم ترحل من قلوبنا .
غبتَ عن أعيننا ، لكنك حاضر في ذاكرتنا .
سكت صوتك ، لكن ذكراك ما زالت تتحدث فينا .
أُغلق باب بيتك ، لكن أبواب الدعاء ستظل مفتوحة بإسمك .
وكلما مرّ طيفك في الذاكرة ، سنقول :
رحمك الله يا هشام .
وكلما أشتقنا إليك ، سنرفع أيدينا إلى السماء .
وكلما رأينا صورتك ، ستدمع العين ، ويحزن القلب ، ثم نعود إلى يقيننا بالله :
إنا لله وإنا إليه راجعون .
فنم قرير العين يا هش …
فقد تركت وراءك قلوبًا تحبك ، وأهلًا يدعون لك ، وذكريات لا تموت .
اللهم لا تحرمنا أجره ، ولا تفتنّا بعده ، وأغفر لنا وله .
اللهم أجعل هشام العابد من أهل الجنة ، وأجعل قبره نورًا وراحةً وسكينة ، وأجعل لقاءنا به في دار لا فراق فيها .
رحمك الله يا هش …
فالعين تدمع على فراقك ،
والقلب يحزن لغيابك ،
لكننا لا نقول إلا ما يرضي ربنا …
وإنّا لله وإنّا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .







