مقالات

أروقة القانون… وحياة الناس

حماية المجتمع أم سيادة القانون؟...

أروقة القانون… وحياة الناس

حماية المجتمع أم سيادة القانون؟… من يملك سلطة القبض والتفتيش؟

 

بقلم: حسين عبيد

في أحد الأيام، وبينما كنت أسير مع أحد أصدقائي في طريق ترابي هادئ بمحاذاة إحدى الترع المتفرعة من نهر النيل، شد انتباهنا شخصان يجلسان بين الأشجار في مكان منعزل. لم يكن في المشهد ما يدعو للقلق في البداية، لكن الفضول دفعنا إلى مراقبتهما من بعيد، فإذا بأحدهما يخرج لفافة سوداء ويضعها سريعًا داخل حقيبته.

في تلك اللحظة، ثار في ذهني سؤال قد يتكرر في حياة أي مواطن: هل يحق لي أن أقترب؟ وهل يجوز لي تفتيشهما؟ وإذا اكتشفت أن بحوزتهما مواد مخدرة، فهل أملك القبض عليهما واستجوابهما قبل تسليمهما إلى الشرطة؟

قد تبدو الإجابة للبعض بديهية بدافع الرغبة في مكافحة الجريمة، لكن القانون له رأي آخر، فهو لا يكتفي بحسن النية، وإنما يحدد بدقة من يملك سلطة القبض والتفتيش، ومتى تُمارس، وكيف تُمارس.

فالحرية الشخصية حق دستوري أصيل، ولا يجوز المساس بها إلا في الحدود التي رسمها القانون. ولهذا، فإن الأصل أن سلطة القبض والتفتيش من اختصاص مأموري الضبط القضائي، ولا يجوز لغيرهم مباشرتها إلا في الحالات التي أجازها القانون وعلى أضيق نطاق.

وقد أجازت المادة (37) من قانون الإجراءات الجنائية – في تنظيمها لسلطة آحاد الناس – للمواطن، عند مشاهدة شخص متلبسًا بجناية أو جنحة يجوز فيها الحبس الاحتياطي، أن يتحفظ عليه بقصد تسليمه فورًا إلى أقرب مأمور ضبط قضائي، حتى لا يفلت من العدالة.

غير أن هذا الاستثناء لا يعني منح المواطن سلطة رجل الشرطة، فلا يجيز له تفتيش الأشخاص أو استجوابهم أو التحقيق معهم، لأن هذه الإجراءات تمس الحرية الشخصية، ولا يباشرها إلا من خوله القانون ذلك.

وقد استقرت محكمة النقض على هذا المبدأ، وقضت بأن نصوص قانون الإجراءات الجنائية التي أجازت لآحاد الناس إحضار المتهم المتلبس إلى أقرب مأمور ضبط قضائي لا تخول لهم سلطة تفتيشه، وأن التفتيش الذي يجريه شخص عادي يقع باطلًا، ويترتب على هذا البطلان استبعاد الدليل المستمد منه، ولو أسفر عن ضبط مواد مخدرة أو أشياء مجرمة.

وهنا تبرز الحكمة التي أرادها المشرع؛ فالدولة لا تمنع المواطن من الإسهام في حماية المجتمع، لكنها تمنع في الوقت ذاته أن يتحول إلى سلطة تحقيق أو ضبط، لأن تجاوز الاختصاص قد يؤدي إلى بطلان الإجراءات، وربما إلى إفلات الجاني من العقاب.

ولو عدنا إلى الواقعة التي بدأنا بها المقال، فإن التصرف القانوني السليم لم يكن تفتيش الشخصين أو استجوابهما، وإنما – إذا توافرت شروط حالة التلبس – التحفظ عليهما في الحدود التي يسمح بها القانون، وإبلاغ الشرطة وتسليمهما فورًا إلى مأمور الضبط القضائي، ليباشر الإجراءات وفقًا للقانون.

إن سيادة القانون لا تتعارض مع حماية المجتمع، بل هي الوسيلة الحقيقية لتحقيقها. فالعدالة لا تُبنى على إجراءات باطلة، ولا تُحمى الحريات بإهدار القانون، وإنما يتحقق التوازن عندما يلتزم كل فرد بالحدود التي رسمها له القانون.

فحماية المجتمع مسؤولية الجميع… أما سلطة القبض والتفتيش، فهي مسؤولية من منحهم القانون هذا الاختصاص، حفاظًا على حقوق الأفراد، وصونًا لهيبة العدالة وسيادة القانون.

زر الذهاب إلى الأعلى