مقالاتمنوعات

أسماء فتحي: التعليم في مصر أمام اختبار حقيقي..

والمطلوب الانتقال من تطوير المنظومة إلى قياس أثرها

أسماء فتحي: التعليم في مصر أمام اختبار حقيقي..

والمطلوب الانتقال من تطوير المنظومة إلى قياس أثرها

 

متابعة / محمد غزال

أكدت الخبيرة التربوية أسماء فتحي أن ملف التعليم في مصر لم يعد مجرد قضية خدمية أو قطاعية يمكن التعامل معها بمعزل عن بقية ملفات الدولة، وإنما أصبح قضية ترتبط بصورة مباشرة بمستقبل المجتمع وقدرته على بناء الإنسان، وتحقيق التنمية، ومواكبة التحولات المتسارعة في التكنولوجيا والاقتصاد وسوق العمل.

وقالت: إن النقاش المرتقب حول التعليم ضمن فعاليات منتدى مصر 2026 يمثل فرصة مهمة لإعادة النظر بصورة شاملة في منظومة التعليم، ليس فقط من خلال استعراض ما تحقق خلال السنوات الماضية، وإنما عبر طرح الأسئلة الأكثر أهمية حول جودة المخرجات التعليمية، ومدى قدرة المدرسة والجامعة على إعداد طالب يمتلك المعرفة والمهارات والقدرة على التفكير والإبداع والتكيف مع متطلبات المستقبل.

وأضافت أن وضع التعليم ضمن محور «بناء الإنسان» يعكس إدراكًا لأهمية التعليم باعتباره أحد أهم الأدوات التي تشكل شخصية المواطن وقدرته على المشاركة والإنتاج والتعلم المستمر، مشيرة إلى أن السؤال الأساسي يجب ألا يكون فقط: ماذا ندرس أبناءنا؟ وإنما أيضًا: ماذا نريد أن يصبح عليه أبناؤنا بعد سنوات الدراسة؟

_الانتقال من إتاحة التعليم إلى جودة التعليم_

وأوضحت أن أحد أهم التحديات التي ينبغي أن يتصدرها الحوار هو الانتقال من مفهوم إتاحة التعليم إلى مفهوم جودة التعليم، مؤكدة أن بناء المدارس وزيادة أعداد الفصول وتوفير الوسائل التكنولوجية خطوات مهمة، لكنها لا تمثل وحدها معيارًا كافيًا للحكم على نجاح عملية الإصلاح.

وشددت على أن المؤشر الحقيقي يتمثل في قدرة الطالب على اكتساب المعرفة والمهارات، وتنمية التفكير النقدي والتحليلي، وحل المشكلات، والعمل الجماعي، والتواصل، واستخدام التكنولوجيا بصورة واعية وفعالة.

وأكدت على أن جودة التعليم يجب أن تُقاس بما يحدث بالفعل داخل الفصل، وليس فقط بما يتم إنجازه على مستوى البنية التحتية، متسائلة: هل أصبح الطالب أكثر قدرة على التفكير؟ وهل تحولت العملية التعليمية من التلقين إلى المشاركة؟ وهل أصبح المعلم أكثر قدرة على اكتشاف الفروق الفردية والقدرات والمواهب لدى الطلاب؟

 _المكاشفة والاستماع إلى جميع أطراف العملية التعليمية_

وأشارت إلى أن أي إصلاح حقيقي للتعليم يحتاج إلى قدر كبير من المكاشفة والشفافية، موضحة أن تطوير المنظومة لا يمكن أن يعتمد فقط على القرارات الإدارية أو الرؤية من أعلى إلى أسفل.

وقالت: إن المعلم يرى تحديات يومية داخل الفصل قد لا تظهر في التقارير، وولي الأمر يواجه أعباء وتحديات مرتبطة بالتعليم، والطالب يمتلك تجربة مباشرة ينبغي الاستماع إليها، بينما يقدم الخبراء والأكاديميون رؤية متخصصة تتعلق بالمناهج وطرق التدريس والتقييم.

وأكدت أن الاستماع إلى هذه الأطراف لا يعني التشكيك في ما تحقق، وإنما يمثل شرطًا أساسيًا لتحديد نقاط القوة والضعف بصورة واقعية، لأن أي خطة إصلاح تبدأ بتشخيص غير دقيق للمشكلة قد تنتج حلولًا جزئية لا تحقق الأهداف المطلوبة.

 _التعليم قضية اجتماعية واقتصادية للأسرة المصرية_

ولفتت إلى أن قضية التعليم ترتبط بصورة وثيقة بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للأسر المصرية، خاصة الطبقة المتوسطة، التي تنظر إلى التعليم باعتباره استثمارًا أساسيًا في مستقبل الأبناء.

وأوضحت أن تكلفة التعليم لا تقتصر على المصروفات الدراسية، وإنما تمتد إلى الدروس والانتقالات والكتب والأدوات والأنشطة وغيرها من النفقات التي قد تشكل عبئًا متزايدًا على الأسرة.

ومن هنا، أكدت على أهمية تطوير البدائل التعليمية ورفع جودة المدارس الحكومية والنوعية والتكنولوجية، مع ضرورة بناء الثقة في هذه المؤسسات، بحيث لا يكون الهدف مجرد زيادة عدد البدائل، وإنما توفير مسارات تعليمية تتمتع بجودة حقيقية وفرص واضحة للانتقال إلى التعليم العالي والعمل.

وقالت: إن الأسرة المصرية لن تبحث عن البديل لمجرد أنه متاح، وإنما ستبحث عنه عندما تقتنع بأن هذا البديل يوفر لأبنائها تعليمًا جيدًا، ويمنحهم فرصة حقيقية لبناء مستقبل مهني أفضل.

 _كثافة الفصول .. الجودة لا تقاس بالأرقام فقط_

وأكدت أن مشكلة كثافات الفصول تظل من الملفات التي تحتاج إلى معالجة مستمرة، لكنها شددت في الوقت نفسه على ضرورة عدم اختزال قضية الكثافة في مجرد رقم.

وأوضحت أن خفض عدد الطلاب داخل الفصل يجب أن يكون وسيلة لتحسين جودة العملية التعليمية، وليس هدفًا منفصلًا، لأن انخفاض الكثافة لا يحقق أثره الحقيقي إذا ظلت أساليب التدريس قائمة على التلقين والحفظ.

وأضافت أن السؤال الأهم بعد خفض الكثافة هو: ماذا تغير داخل الفصل؟ وهل أصبح المعلم قادرًا على التفاعل بصورة أفضل مع الطلاب؟ وهل زادت فرص المناقشة والتعلم النشط؟ وهل أصبح من الممكن اكتشاف الطلاب المتفوقين والطلاب الذين يحتاجون إلى دعم إضافي؟

وأكدت أن هذه المؤشرات النوعية يجب أن تحتل مكانًا أكبر في تقييم أداء المنظومة التعليمية.

 _التعليم التكنولوجي والفني .. استثمار في المستقبل_

وأشارت الخبيرة التربوية إلى أن التوسع في التعليم الفني والتكنولوجي يمثل فرصة مهمة لإعادة بناء العلاقة بين التعليم والاقتصاد، مؤكدة أن النظرة التقليدية التي تضع التعليم الفني في مرتبة أقل من التعليم الأكاديمي يجب أن تتغير.

وقالت: إن الاقتصاد الحديث يحتاج إلى كوادر تمتلك مهارات مرتبطة بالبرمجيات والذكاء الاصطناعي والأتمتة والطاقة الجديدة والصناعات المتقدمة واللوجستيات والخدمات الرقمية، وهو ما يتطلب تعزيز مسارات التعليم التكنولوجي والتطبيقي.

وأكدت أن نجاح هذا المسار يتطلب ربط المدارس والجامعات ومؤسسات التدريب باحتياجات القطاعات الإنتاجية، بحيث لا يتخرج الطالب فقط بشهادة، وإنما يمتلك مهارات عملية يمكن استخدامها في سوق العمل.

وشددت على أن قياس جودة التعليم الفني والتقني يجب أن ينتقل من التركيز على أعداد الملتحقين والخريجين إلى مؤشرات أكثر ارتباطًا بجودة التدريب والمهارات وفرص العمل والقدرة على التطور المهني.

 _سوق العمل هو الاختبار الحقيقي للإصلاح_

وقالت: إن سوق العمل يمثل أحد أهم الاختبارات الحقيقية لأي إصلاح تعليمي، موضحة أن الفجوة بين مخرجات التعليم والمهارات المطلوبة في الاقتصاد تمثل تحديًا يجب التعامل معه بصورة مستمرة.

وأضافت أن التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي يؤديان إلى تغير سريع في طبيعة الوظائف، وهو ما يفرض مراجعة مستمرة للمناهج والبرامج التعليمية.

وتساءلت: ما المهارات التي يحتاجها الاقتصاد المصري خلال السنوات المقبلة؟ وما الوظائف التي ستتوسع؟ وكيف ستتغير الوظائف التقليدية بفعل الذكاء الاصطناعي؟ وكيف يمكن إعداد الطلاب للتعامل مع هذه التحولات؟

وأكدت أن الإجابة عن هذه الأسئلة يجب أن تكون جزءًا أساسيًا من عملية تطوير التعليم، وليس مجرد استجابة مؤقتة لتغيرات سوق العمل.

 _الجامعة والمدرسة .. منظومة واحدة_

وشددت على ضرورة النظر إلى التعليم قبل الجامعي والتعليم الجامعي باعتبارهما حلقات مترابطة داخل منظومة واحدة، مؤكدة أن الطالب الذي يصل إلى الجامعة يحمل معه حصيلة من المعارف والمهارات والعادات التعليمية التي اكتسبها خلال سنوات الدراسة السابقة.

وأوضحت أن الجامعة الحديثة لم تعد مطالبة فقط بتقديم المعرفة الأكاديمية، وإنما أصبحت مطالبة بإعداد طالب قادر على البحث والتعلم الذاتي، والعمل الجماعي، والتواصل، وحل المشكلات، واستخدام التكنولوجيا، والتكيف مع بيئة مهنية متغيرة.

وأضافت أن الشهادة الجامعية تظل مهمة، لكنها لم تعد وحدها كافية، في ظل سوق عمل يعطي أهمية متزايدة للمهارات التطبيقية والقدرة على التعلم المستمر.

 _المعلم هو قلب العملية التعليمية_

وأكدت على أن أي حديث عن تطوير التعليم لا يمكن أن ينجح دون وضع المعلم في قلب عملية الإصلاح، مشيرة إلى أن التكنولوجيا والمناهج والبنية التحتية لا يمكن أن تحقق أهدافها من دون معلم مؤهل وقادر على توظيفها.

وقالت: إن التطوير المهني للمعلم يجب ألا يكون عبارة عن دورات تدريبية موسمية، وإنما ينبغي أن يتحول إلى مسار مهني مستمر يرتبط بالتقييم والحوافز والترقي والمسؤوليات.

وأضافت أن المعلم يحتاج إلى تدريب مستمر على طرق التدريس الحديثة، والتقييم، والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، وأساليب التعامل مع الفروق الفردية بين الطلاب.

 _التكنولوجيا وسيلة وليست هدفًا_

وحذرت من اختزال التحول التعليمي في مجرد إدخال الأجهزة والمنصات الرقمية إلى المدارس، مؤكدة أن التكنولوجيا لا تستطيع وحدها إصلاح ضعف المناهج أو تغيير طرق التدريس.

وقالت: إن المطلوب هو الانتقال من رقمنة الأدوات إلى إعادة تصميم العملية التعليمية، بحيث تصبح التكنولوجيا وسيلة لتوسيع إمكانات التعلم، وليس مجرد إضافة شكلية إلى العملية التعليمية.

وأشارت إلى أن الذكاء الاصطناعي يمثل في الوقت نفسه فرصة وتحديًا، موضحة أن المطلوب ليس فقط تعليم الطلاب كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وإنما تدريبهم أيضًا على التحقق من المعلومات، والتفكير النقدي، وتحليل المصادر، وإنتاج المعرفة، وعدم التحول إلى مجرد مستهلكين للمحتوى الذي تنتجه الآلات.

 _من الحوار إلى التنفيذ_

وأكدت على أن القيمة الحقيقية لأي حوار حول التعليم ستظهر في مرحلة ما بعد الحوار، موضحة أن نجاح المؤتمرات والمنتديات لا يقاس بعدد الجلسات أو حجم التغطية الإعلامية، وإنما بمدى تحول التوصيات إلى سياسات وبرامج قابلة للتنفيذ والقياس.

وقالت: إن كل توصية جادة يجب أن ترتبط بهدف واضح، وجهة مسؤولة، وجدول زمني، ومؤشرات أداء، وآلية للمتابعة والتقييم، مع الإعلان بصورة دورية عن حجم الإنجاز والتحديات التي تواجه التنفيذ.

وأضافت أن هذه المنهجية من شأنها أن تنقل إصلاح التعليم من دائرة الخطط العامة إلى دائرة الإدارة القائمة على النتائج، بحيث يصبح المواطن قادرًا على معرفة ما الذي تحقق فعليًا وما الذي يحتاج إلى مزيد من العمل.

 _بناء الإنسان يبدأ من التعليم_

وأكدت على أن وضع التعليم تحت محور بناء الإنسان يمثل فرصة لإعادة تعريف الهدف النهائي للعملية التعليمية.

وأوضحت أن بناء الإنسان لا يعني فقط تزويده بالمعلومات، وإنما يعني بناء شخصية متوازنة تمتلك المعرفة والمهارة والقيم والوعي والقدرة على تحمل المسؤولية والإبداع والعمل والتعلم المستمر.

وشددت على أن المدرسة لا تعمل بمعزل عن المجتمع، وأن إصلاح التعليم يتطلب تكاملًا مع ملفات الثقافة والصحة والرياضة والاقتصاد والتحول الرقمي، لأن بناء الإنسان عملية متكاملة لا تستطيع مؤسسة واحدة القيام بها منفردة.

 _المطلوب عقد اجتماعي جديد حول التعليم_

وأكدت على أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى بناء قدر أكبر من الثقة بين الدولة والأسرة والمعلم والطالب، مشيرة إلى أن هذه الثقة لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالشفافية، وتوفير المعلومات، ووضوح الأهداف، والاستماع إلى الملاحظات، والقدرة على مراجعة السياسات وتصحيح المسار عند الحاجة.

وقالت إن القضية الأساسية ليست فقط معرفة ما تم إنجازه خلال السنوات الماضية، وإنما تحديد ما ينبغي القيام به خلال السنوات المقبلة، مؤكدة أن مصر تحتاج إلى تعليم أكثر جودة ومرونة وعدالة وارتباطًا بالحياة وسوق العمل.

وأختتمت تصريحاتها بالتأكيد على أن إصلاح التعليم يجب أن يتحول إلى مشروع دولة ومجتمع، لا إلى مهمة وزارة واحدة، وأن الاختبار الحقيقي لأي رؤية تعليمية لن يكون داخل قاعات المؤتمرات، وإنما داخل المدرسة والجامعة والفصل والمعمل وفي حياة الطالب اليومية

زر الذهاب إلى الأعلى