“أمس لم يغادر القلب “
عبق النعناع وذكريات لا تغيب…
بقلم/ رشا القمحاوي
كلما دخلت إلى الشرفة، ورأيت نبتة النعناع فيها، عادت بي الذاكرة إلى تلك المرأة الجميلة الروح والملامح، التي تعلمت منها زراعة النعناع، لنقطف أوراقه الطازجة ونضعها في أكواب الشاي.
زهرة… كان اسمها يشبهها، فلا يأتي منها إلا كل طيب، ولا يفوح من حضورهاإلا العبير.
كانت أم صديقاتي الأربع، اللواتي كنت أذهب إليهن في وقت العصاري، لنجتمع ونشاهد المسلسل الذي اعتدنا متابعته آنذاك. لكنني أظن أنني كنت أذهب إليها هي أولا، قبل أن أذهب إلى صديقاتي، فقد كان في روحها شئ يجذبني إليها، وفي حنانها ما يجعلني أشعر بالألفة والطمأنينة.
كانت زهرة رقيقة، حنونة، طيبة اللسان والقلب، تعلمت منها كثيرا من الصفات التي أحببتها فيها، ووجدتني أقتدي بها بمحبة صادقة، دون أن أشعر أنني أفعل ذلك.
مازلت أذكر مخبوزاتها الشهية التي كانت تصنعها بحب، وكيف كنا نجلس معا نتناولها مع أكواب الشاي المعطر بأوراق النعناع، التي كانت تقطفها من شرفة منزلها، وكأنها كانت تمنحنا، مع كل ورقة، شيئا من روحها الطيبة، بقي فينا حتى بعد أن فرقتنا الأيام.
لم أكن أعرف آنذاك أن بعض التفاصيل الصغيرة ستكبر في داخلنا مع مرور السنين، وأن رائحة النعناع قد يأتي يوماً وتصبح نافذة نطل منها على زمن بعيد، ووجوه تركت في أرواحنا أثراً لا يمحوه الغياب.
اليوم، كلما مررت بنبتة النعناع في شرفتي، لا أرى مجرد أوراق خضراء، بل أرى زهرة، وأستعيد دفء بيتها، ورائحة مخبوزاتها، وأكواب الشاي التي جمعتنا، وأمسياتنا الجميلة.
وأشعر أن بعض الأحبة لا يرحلون تماما، بل يتركون في حياتنا شيئاً صغيرا، يكفي أن نراه أو نشم عبيره حتى يعودوا إلينا بكل ما كانوا عليه.
سلام على زهرة، وعلى أيام مضت، ومازالت تسكن الذاكرة.
غابت زهرة،
بقي عطر النعناع،
يسكن الروح…








