مقالات

«أمضي أم أعود؟ الإنسان بين وطأة الانتماء وانتصار الإرادة

«أمضي أم أعود؟ الإنسان بين وطأة الانتماء وانتصار الإرادة»

سماح خليفة/ فلسطين

……………………….

«أمضي أم أعود؟» للروائي فوزي نجاجرة. رواية ذات مشروع إنساني واجتماعي، وتقوم فكرتها المركزية على مواجهة الإنسان لسؤال الاستمرار بعد الصدمات: هل يستسلم للماضي، أم يحوله إلى قوة تدفعه إلى الأمام؟

الرواية منذ العتبة الأولى لا تقدم العنوان بوصفه عتبة شكلية فحسب، إنّما مفتاح لقراءة العمل كله، فهي تضع القارئ أمام سؤال الإنسان حين يجد نفسه عالقًا بين ما كان وما ينبغي أن يكون، بين ذاكرة لا تكف عن استدعاء الماضي ورغبة في استعادة القدرة على مواصلة الطريق، وهي لا تكتفي بقصة امرأة تتعرض لسلسلة من الانكسارات، إنما تجعل من تجربتها الفردية نافذة على موضوعات أوسع: الأمومة، الفقد، العنف الأسري، المرأة الفلسطينية، المرض، الذاكرة، الأمل، الكتابة، والقدرة على إعادة بناء الذات. فالرواية تقوم على حكاية إنسانية تتداخل فيها التجربة الشخصية مع الأسئلة الاجتماعية والنفسية، ولا يبدو السرد مهتمًا بالحدث من أجل الحدث بقدر اهتمامه بما يتركه الحدث من أثر في الشخصية؛ فالمرض والفقد والعلاقات العاطفية والأسرية والكتابة تتحول جميعها إلى محطات في رحلة داخلية طويلة.

اللافت في الرواية أنها تنتهي بإعادة وصل البداية بالنهاية؛ فالألم الذي عاشته «خديجة/أم الوفا» يتحول إلى مادة إبداعية، ثم تفوز الرواية التي كتبتها الشخصية نفسها(ص172)، لتصبح الكتابة داخل الرواية وسيلة للنجاة والانتصار، ومن زاوية أخرى تؤكد ضرورة سعي المرأة إلى إنصاف نفسها خارج دائرة الأسرة وتضحياتها، وهذا يقدم لأفراد عائلتها اعترافا أكبر بنجاحها واستحقاقها لقوة حضورها(ص173). هذا البناء يمنح العنوان «أمضي أم أعود؟» دلالة تتجاوز الاختيار المكاني المباشر إلى سؤال نفسي ووجودي: هل يعود الإنسان إلى ألمه أم يمضي إلى حياة جديدة؟

البناء الروائي والحبكة

تبدأ الرواية بمشهد يبدو بسيطًا لكنه يؤدي وظيفة تأسيسية مهمة: تقديم خديجة في حياتها اليومية، ثم وقوعها على مشهد إنقاذ طفل كاد يسقط من شرفة(ص15)، وهو الحدث الذي يفتح باب التعارف بينها وبين خالد، ومن هذه المصادفة تتشكل علاقة عاطفية تنتهي بالزواج(ص28)، هذه البداية تمنح الرواية مساحة من الهدوء والدفء قبل أن تدخل تدريجيًا إلى مناطق أكثر قسوة، وتتوالى بعد ذلك التحولات: التعارف والحب، الزواج، تأسيس الحياة الزوجية، الصراع العائلي، الانفصال/الهروب، بناء حياة جديدة، المرض، الفقد والصدمات، الكتابة، العودة إلى الذات، النجاح الأدبي، المواجهة الأخيرة مع الماضي، ومن نقاط القوة هنا أن الرواية لا تجعل «الماضي» مجرد خلفية، إنّما قوة مستمرة في حياة الشخصية، ويصل هذا البناء إلى ذروته في المشهد الأخير تقريبًا، حين تفوز الرواية التي كتبتها أم الوفا، ثم تتكشف المفاجأة الكبرى المتعلقة بهوية الشخصية التي تقف أمامها(ص172)؛ فتتحول لحظة التكريم الأدبي إلى لحظة كشف نفسي وعاطفي شديد القوة(173).

الحبكة غنية بالأحداث وقابلة للتشويق، لكنها في بعض مراحلها محملة بأحداث كثيرة أكثر مما تحتاجه الرواية، فالقارئ ينتقل من حادثة إلى أخرى ومن مأساة إلى أخرى، الأمر الذي يمنح العمل طاقة سردية عالية، لكنه في الوقت نفسه يجعل بعض المقاطع أقرب إلى تتابع الوقائع منها إلى تطور درامي متدرج، ولو جرى تقليل بعض الأحداث الثانوية، ومنح الأحداث المركزية مساحة نفسية أكبر، لأصبحت الحبكة أكثر إحكامًا وتأثيرًا.

الشخصيات: تتميز الشخصية المحورية في الرواية بمسار تحولي واضح؛ فهي لا تبقى في الموقع نفسه الذي تبدأ منه، وإنما تمر بتجارب تدفعها إلى إعادة النظر في ذاتها وفي العالم من حولها، وهذا التحول هو من أهم عناصر قوة الرواية، لأنه يجعل الشخصية قابلة للقراءة لا باعتبارها ضحية للظروف فحسب، إنّما باعتبارها كائنًا يحاول استعادة زمام حياته، غير أن الشخصية، في بعض المواضع، تبدو أقرب إلى الصورة المثالية منها إلى الشخصية الروائية المركبة. وكان يمكن للتجربة أن تصبح أكثر عمقًا لو أُتيح للشخصية مجال أوسع للتناقض والخطأ والضعف والتردد؛ فالشخصية الروائية الأكثر إقناعًا ليست بالضرورة الشخصية التي تنتصر دائمًا على أزماتها، إنّما تلك التي نرى ارتباكها الداخلي وهي تحاول الانتصار. أما الشخصيات الثانوية، فتؤدي وظائف متعددة في دفع الحكاية وإضاءة جوانب من حياة الشخصية المركزية، إلا أن حضور بعضها يظل مرتبطًا بالدور الذي يؤديه في الحدث أكثر من ارتباطه ببناء عالم نفسي مستقل.

الشخصية المحورية/الرئيسية: خديجة / أم الوفا: هي أهم شخصية في الرواية، وهي أيضًا أكثر الشخصيات قابلية للدراسة النقدية. تظهر خديجة في البداية بوصفها فتاة محبة للحياة، قارئة، محبة للزهور والجمال، اجتماعية، ومقبلة على المستقبل، ثم تتعرض شخصيتها لاختبارات متتالية، بحيث يصبح السؤال الحقيقي في الرواية ليس «ماذا حدث لخديجة؟»، إنما: ماذا فعلت خديجة بما حدث لها؟ وهنا تكمن قيمة الشخصية، فهي لا تبقى ضحية؛ بل تتحول تدريجيًا من امرأة يتقاذفها الواقع إلى امرأة تصنع معنى تجربتها من خلال الكتابة (تظهر موهبتها تدريجيا في الرواية حتى تنتهي بكتابة رواية تفوز في مسابقة)، وهذه النقلة هي من أجمل التحولات في الرواية، لأن الكتابة لا تأتي كزينة ثقافية، إنما تصبح فعل مقاومة واسترداد للذات، والرواية نفسها تشير إلى أن المرض لم ينجح في إيقافها، وأنها أبقت قلمها مشرقًا وكتبت عن معاناتها وأملها وخروجها منها.

لكن، أحيانًا تبدو خديجة مثالية أكثر من اللازم؛ فهي جميلة، ذكية، محبة، قارئة، موهوبة، صابرة، مضحية، محبوبة من الآخرين، ثم كاتبة ناجحة، وهذا التراكم قد يقلل شيئًا من تعقيد الشخصية، فالشخصية الروائية العظيمة ليست بالضرورة الشخصية الكاملة؛ إنّما الشخصية التي نرى فيها تناقضاتها وضعفها وأخطائها وخوفها وأنانيتها أحيانًا، لذلك كان يمكن أن تصبح خديجة أكثر عمقًا لو أتيح للقارئ أن يرى بصورة أكبر: لحظات ضعفها الحقيقي، أخطاءها، غضبها، شكها في نفسها، ترددها، رغبتها في الانتقام ثم تراجعها، صراعها الداخلي مع بعض قراراتها، هذا لا ينتقص من الشخصية، بل يجعلها أكثر إنسانية وأقل مثالية.

الشخصيات الثانوية: الرواية تضم عددًا كبيرًا من الشخصيات الثانوية، ولكل شخصية وظيفة في دفع الحدث أو كشف جانب من جوانب المجتمع. من الشخصيات اللافتة: خالد، أم بشر، سمية، وسيم، أفراد العائلة، الطبيب النفسي، شخصيات الوسط الثقافي والأدبي. ومن الجيد أن بعض الشخصيات الثانوية تتحول لاحقًا إلى عناصر مهمة في النهاية، خصوصًا سمية وأم بشر، لكن كثرة الشخصيات تؤدي أحيانًا إلى مشكلة التفاوت في العمق؛ فبعض الشخصيات تبدو مكتملة نسبيًا، في حين تظهر شخصيات أخرى باعتبارها أدوات لخدمة الحدث. والأقوى روائيًا هو أن تكون الشخصية الثانوية مؤثرة حتى في غيابها؛ أي أن يظل القارئ يتذكر صوتها وطباعها ودوافعها.

الصراع

الرواية تحتوي على عدة مستويات من الصراع: 

الصراع الداخلي: وهو الأهم، ويتمثل في صراع الشخصية مع الذاكرة والخوف والمرض والماضي(الذاكرة المرتبطة بالفقد للزوج والخذلان من الابن، وخوفها وصدمتها ولد مرضها).

الصراع الأسري: ويظهر في العلاقات العائلية وما يترتب عليها من ضغوط وقرارات (عائلة خالد وعائلة خديجة).

الصراع الاجتماعي: خصوصًا ما يتعلق بالمرأة ونظرة المجتمع إليها، وخاصة المطلقة (خديجة مطلقة في البداية ثم زوجة شهيد، وفي الحالتين هي في نظر المجتمع بلا سند بلا رجل).

الصراع مع المرض: وهو من أكثر أجزاء الرواية قدرة على إنتاج التعاطف، والأجمل هو تغلب العلاج بالقراءة والكتابة على العلاج بالبروزاك (ص159).

الصراع مع الذاكرة: وهذا في رأيي هو الصراع الأعمق في الرواية، فالألم الذي حملته من ابنها يحفر في ذاكرتها(ص51)، فالعودة إلى الماضي ليست عودة جغرافية فقط، وإنما عودة إلى جروح لم تُغلق.

اللغة والأسلوب: يمتلك الكاتب قدرة واضحة على الوصف الحسي.

في البدايات، مثلًا، نجد حضور الربيع والشمس والزهور والطيور والروائح(ص11)، وهو ما يمنح النص حالة من الحيوية، كما أن الكاتب يجيد في مواضع عديدة استخدام الحوار المباشر، وخاصة في المشاهد الأسرية والعاطفية، وتبرز أيضًا قدرة على خلق المشهد، كما في مشهد إنقاذ الطفل(ص14-16)، حيث يتصاعد التوتر بسرعة ويصبح المشهد بصريًا ومتحركًا.

أما الضعف الأسلوبي الأبرز فهو:

المباشرة: فالكاتب يشرح أحيانًا للقارئ ما كان يمكن أن يجعله يستنتجه بنفسه من الحدث، على سبيل المثال (ص47)، فهو يعطي حكمًا مسبقًا عن خالد بأنه يأخذ ولا يعطي ويستطرد في شرح شخصيته دون ترك فرصة للقارئ لاستنتاجها، مثل إقحامه قصة العقرب (ص25) لكشف وجود شخصية سامة قادمة. وهناك مقاطع تأملية طويلة تشرح الحكمة أو المغزى أو الدلالة الاجتماعية مباشرة، كمقالته عن تحولات الطفولة الفطرية(ص22). مثل هذه المقاطع تحمل أفكارًا جيدة، لكنها لو تحولت إلى فعل روائي أو حوار أو رمز لكان أثرها أقوى، فالرواية تكون أقوى عندما تُري القارئ التجربة، وأضعف قليلًا عندما تخبره بما ينبغي أن يفهمه منها.

الحوار: الحوار من العناصر الجيدة في الرواية، خصوصًا لأنه يكشف العلاقات الاجتماعية ويمنح الشخصيات مساحة للتعبير. لكن هناك تفاوتًا بين الحوار الطبيعي والحوار الذي يبدو أحيانًا محملًا بالرسائل والأفكار. بعض الشخصيات تتحدث كما يتحدث الإنسان في الحياة، في حين يتحدث بعضها الآخر كما لو كان يحمل على لسانه صوت المؤلف أو الناقد أو الواعظ، وهذه نقطة مهمة جدًا إذا كان الهدف هو رفع المستوى الأدبي للرواية؛ لأن القارئ يجب ألا يشعر أن المؤلف خرج من خلف الستار ليلقي عليه فكرة.

الرموز والدلالات: من أبرز الرموز في الرواية:

العنوان: هو أفضل عناصر البناء الرمزي في العمل، فالعنوان يمكن أن يُقرأ على مستويات متعددة: العودة إلى الماضي، العودة إلى المكان، العودة إلى الذات، العودة إلى الألم، المضي نحو المستقبل، المضي رغم المرض، المضي بالكتابة، وهذا يجعل العنوان مفتوحًا على الرواية كلها.

الزهور: تتكرر الزهور والجمال في حياة خديجة، وتبدو مرتبطة بحساسيتها الداخلية واحتفاظها بالقدرة على رؤية الجمال رغم القسوة.

الكتابة: هي الرمز الأكبر في النهاية، فما عاشته الشخصية يتحول إلى نص، والنص يتحول إلى نجاح، والنجاح يعيد الشخصية إلى ماضيها بصورة غير متوقعة، وبذلك تصبح الرواية رواية عن كتابة الرواية نفسها في جزء من بنيتها.

البعد الفلسطيني: الرواية لا تعيش في فراغ؛ فهناك حضور واضح للقضية الفلسطينية والاحتلال والأسرى، وتحديدًا في القسم المتعلق بأسرة أم بشر والأسير الفلسطيني (ص71)، وفي هذا الجزء تتجاوز الرواية الخاص إلى العام، وتربط مصير الأسرة بمصير الوطن، وتبلغ هذه الدلالة ذروتها في مشهد الإفراج عن الأسير حسن أبي بشر بعد أكثر من ثلاثة عقود، حيث يتحول الإفراج إلى احتفال وطني وإنساني، وهذا يمنح الرواية بعدًا فلسطينيًا واضحًا، ويجعل تجربة المرأة والأسرة جزءًا من تجربة أوسع.

النهاية من أقوى أجزاء الرواية، والسبب أنها لا تكتفي بإغلاق الأحداث، وإنما تعيد تفسير أجزاء منها، المشهد الذي تُعلن فيه الرواية الفائزة ثم يظهر أن «أم الوفا» هي خديجة(ص173)، ثم تأتي المواجهة العاطفية، يحمل قوة درامية واضحة، فبعد رحلة طويلة من الفقد والألم، تعود الشخصية إلى نقطة من ماضيها، ولكنها لا تعود إليها بالشخصية نفسها، وهنا يتحقق معنى العنوان:

لقد عادت، لكنها عادت بعد أن مضت، وهذا من أجمل التأويلات الممكنة لعنوان الرواية، ثم يأتي الصمت في القاعة بعد لحظة الكشف (ص174)، وهو اختيار موفق جدًا؛ لأن الصمت هنا أقوى من الكلام.

يمكن تلخيص نقاط القوة والضعف:

أهم نقاط القوة: في الرواية فكرة إنسانية واسعة قابلة للوصول إلى شريحة كبيرة من القراء، شخصية رئيسية تمتلك مسار تحول واضح، حضور قوي للمرأة والأمومة، قدرة جيدة على صناعة المشاهد، وجود أحداث كثيرة تحافظ على التشويق، حضور القضية الفلسطينية في بنية العمل، النهاية ذات المفاجأة العاطفية، توظيف الكتابة داخل الرواية بوصفها وسيلة للخلاص، عنوان قوي وقابل للتأويل، وجود حس إنساني واضح في معالجة الألم والمرض والفقد، وجود بعد اجتماعي يتجاوز الحكاية الفردية، قدرة الكاتب على الجمع بين السرد والوصف والحوار.

أبرز نقاط الضعف: الإفراط في الشرح: بعض الأفكار تُقال للقارئ بدل أن تُكتشف من خلال الحدث. المثالية الزائدة في الشخصية الرئيسية: خديجة تحتاج إلى مزيد من التناقضات والعيوب والأخطاء لكي تصبح شخصية روائية أكثر تعقيدًا. كثرة الأحداث: هناك أحداث وشخصيات يمكن اختصارها أو دمجها دون خسارة جوهر الرواية. تفاوت السرعة السردية: بعض المقاطع سريعة جدًا، وبعضها الآخر يتباطأ بسبب الاستطراد. الوعظ المباشر: بعض المواضع تحمل قيمة فكرية أو أخلاقية، لكن التعبير المباشر عنها يقلل من أدبيتها. التداخل بين صوت الراوي وصوت المؤلف: في بعض المقاطع يصعب الفصل بين الشخصية التي تعيش الحدث والكاتب الذي يفسره. الحاجة إلى تعميق البعد النفسي: الرواية تخبرنا كثيرًا بما حدث، دون أن تتدرج في العمق النفسي. 

#سماح_خليفة

زر الذهاب إلى الأعلى