ليس كل من خالف رغباتنا ظالمًا، وليس كل من وقف أمام مصالحنا عدوًا
بقلم :أ /هبة شاهين. الإسكندرية
كم من شخص أسأنا الحكم عليه، لا لأنه أخطأ في حقنا، وإنما لأنه لم يمنحنا ما أردنا!
أحيانًا تكشف المواقف البسيطة عن حقائق عميقة في نفوسنا؛ فحين يتولى أحد المسؤولين منصبًا جديدًا، وتبدأ التعليقات السلبية حوله، قد نكتشف أن المشكلة ليست دائمًا في قراراته، وإنما في الطريقة التي ننظر بها إلى الأمور حين تتعارض مع مصالحنا.
فقد لفت انتباهي منشور لطالب يتناول موقفًا سلبيًا تجاه من قام بتدريس احد المواد بالجامعة وذكر ذلك كاعتراض علي توليه منصب عميد الجامعة ، وما تبعه من تعليقات لطلاب يصفونه بأنه معقد وكان سببا في رسوبهم.
وهنا يطرح المشهد سؤالًا مهمًا: هل أصبحنا نحكم على المسؤول بأنه ظالم لمجرد أنه لم يمنحنا ما نريد؟ وهل كل من يطالبنا بالالتزام يصبح بالضرورة شخصًا سيئًا؟
بالطبع، من حق الطالب أن يعترض، وأن يطالب بحقه، وأن ينتقد أي قرار غير عادل. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الاعتراض إلى حكم مسبق، وحين يصبح اختلاف المصالح دليلًا على سوء النية، دون النظر إلى حقيقة الموقف أو عدالة القرار.
فليس كل رفض ظلمًا، وليس كل حزم تعقيدًا، وليس كل تطبيق للقواعد تعسفًا.
أحيانًا يكون ما نراه قسوة هو مجرد مواجهة مع حدود لم نعتد احترامها، وأحيانًا يكون ما نعتبره ظلمًا نتيجة طبيعية لتقصير لم نرغب في الاعتراف به.
فالحق ليس دائمًا ما نريده، والعدالة لا تعني أن يحصل الجميع على ما يتمنى، وإنما أن يحصل كل إنسان على ما يستحقه وفق معيار عادل.
والطالب الذي يطلب النجاح دون استيفاء متطلباته، أو يريد استثناءً لا يستحقه، قد يشعر أن تطبيق القواعد ضده، لكنه لا يدرك أن التساهل معه قد يكون ظلمًا لزملائه الذين اجتهدوا والتزموا.
فالنجاح الحقيقي ليس مجرد شهادة نحصل عليها، وإنما استحقاق يُبنى بالاجتهاد، والانضباط، وتحمل المسؤولية.
ومع ذلك، فإن المسؤول الأكاديمي الناجح ليس من يفرض الانضباط وحده، بل من يجمع بين الحزم والإنصاف، وبين تطبيق القواعد واحترام كرامة الطلاب.
فالسلطة أمانة، والمنصب مسؤولية، والحزم لا يمنح أحدًا حق الإهانة أو التعسف. كما أن الطالب الواعي لا يكتفي بتوجيه الاتهامات، وإنما يبحث عن الوقائع، ويطالب بحقه بالحجة والدليل.
فالوعي الحقيقي لا ينحاز إلى الطالب لأنه طالب، ولا إلى الأستاذ لأنه أستاذ، وإنما ينحاز إلى الحق أينما كان.
ومن أخطر ما يمكن أن يقع فيه الإنسان أن يعتاد محاسبة الآخرين دون أن يحاسب نفسه، فيرى أخطاء الناس بوضوح، بينما يعجز عن الاعتراف بأخطائه.
لذلك، قبل أن نحكم على الآخرين، علينا أن نسأل أنفسنا:
*هل أطالب بحقي، أم بما أريد؟
*هل أرفض الظلم، أم أرفض تحمل نتيجة تقصيري؟
*هل أبحث عن الحقيقة، أم عن أشخاص يؤيدون وجهة نظري؟
*وهل أريد مسؤولًا عادلًا، أم مسؤولًا يتساهل معي حتى لو كان ذلك على حساب الآخرين؟
فليس كل من انتقدنا عدوًا، وليس كل من وافقنا على حق، وليس كل من رفض طلبنا ظالمًا.
وفي المقابل، ليس كل مسؤول محقًا لمجرد أنه مسؤول، وليس كل قرار صحيحًا لمجرد صدوره من جهة رسمية.
المعيار الحقيقي هو العدالة، والمساواة في تطبيق القواعد، واحترام الإنسان.
فالجامعة ليست مجرد مكان يمنحنا شهادة، وإنما مدرسة تعلمنا كيف نختلف، وكيف نتحمل مسؤولية اختياراتنا، وكيف نواجه الحقيقة حتى عندما لا تكون في صالحنا.
فالحق لا يتغير بتغير مصالحنا، والعدل لا يُقاس بمدى رضانا عنه، وإنما بمدى إنصافه للجميع.
وفي النهاية
يبقى السؤال الذي يستحق أن يرافق كل طالب وكل مسؤول:
هل نريد أن نكون أصحاب حق فقط عندما يكون الحق في صالحنا، أم أصحاب مبدأ حتى عندما يكون المبدأ ضد مصالحنا؟
فمن هنا يبدأ الوعي، وتُبنى الشخصية، ويصبح النجاح استحقاقًا حقيقيًا، لا مجرد رغبة في الحصول على نتيجة.
لأن الإنسان الناضج ليس من يبحث دائمًا عمن يوافقه، وإنما من يمتلك الشجاعة لمراجعة نفسه، والاعتراف بتقصيره، واحترام الحق حتى عندما لا يأتي موافقًا لرغباته.








