صدى مصرمقالاتمنوعات

أنت بخير لأنك اعتدت الألم… حين يتحول التعايش مع الوجع إلى طريقة حياة.

بقلم/ إسراء محمد

أنت بخير لأنك اعتدت الألم…

حين يتحول التعايش مع الوجع إلى طريقة حياة

 

بقلم/ إسراء محمد

أحيانًا لا يكون أخطر ما يفعله الألم بالإنسان أن يجعله يبكي، بل أن يجعله يتوقف عن البكاء. أن يستيقظ في صباح عادي، يرتدي ملابسه، يذهب إلى عمله، يبتسم لمن حوله، ويجيب عن السؤال الذي يتكرر كل يوم كيف حالك؟ بالإجابة نفسها التي أصبحت محفوظة على لسانه أنا بخير, ثم يمضي في يومه دون أن يتوقف ليسأل نفسه هل أنا بخير فعلًا أم أنني فقط أصبحت جيدًا في إخفاء أنني لست كذلك؟…

ربما لا ننتبه إلى اللحظة التي يتحول فيها الألم من شيء نرفضه إلى شيء نعتاده، ولا نعرف متى يصبح ما كان يؤذينا بالأمس جزءًا طبيعيًا من يومنا. فالإنسان كائن قادر على التكيف بصورة مدهشة وهذه القدرة قد تكون في بعض الأحيان طوق نجاة لكنها قد تتحول أيضًا إلى فخ هادئ يجعلنا نعيش طويلًا داخل أشياء لم نكن لنقبلها لو أننا نظرنا إليها للمرة الأولى بعين أكثر صدقًا.

في البداية نقاوم ما يؤلمنا، نحاول تغييره، نتحدث عنه، نبكي بسببه، نبحث عن مخرج، ثم يأتي وقت نتعب فيه من المقاومة، فنبدأ في التأقلم. نخفض توقعاتنا، نقلل اعتراضاتنا، نصمت أكثر، ونقنع أنفسنا بأن الأمر عادي، حتى يصبح العادي هو أن نتألم.

وهنا تبدأ الحكاية الأخطر لأن الإنسان حين يعتاد الألم قد لا يعود قادرًا على التمييز بين ما يستطيع احتماله وما يستحق أن يرفضه.

قد يعتاد بيتًا يخلو من الأمان أو علاقة تستنزفه أو كلمات تقلل منه أو عملًا يستهلكه أو وحدة لم يخترها أو مسؤوليات أكبر من عمره أو دورًا اعتاد أن يؤديه أمام الجميع حتى نسي كيف يكون نفسه بعيدًا عنه.

وقد يصبح الشخص الذي يحمل الجميع ويحل مشكلات الجميع ويستمع إلى الجميع هو نفسه الشخص الذي لا يجد من يسأله في نهاية اليوم ومن يحمل عنك أنت؟

كثيرون تعلموا منذ الصغر أن الشكوى ضعف، وأن البكاء عجز، وأن الصمت حكمة، وأن الإنسان الجيد هو الذي يتحمل مهما حدث.

فنشأنا ونحن نخلط بين القوة وبين القدرة على إخفاء التعب. تعلمنا أن نقول لا بأس حتى عندما يكون هناك ألف سبب للبكاء وأن نبتسم حتى لا نقلق الآخرين وأن نؤجل احتياجاتنا لأن هناك دائمًا شخصًا آخر يحتاج إلينا أكثر.

ومع الوقت قد يتحول هذا التأجيل إلى عادة ثم تتحول العادة إلى شخصية ثم ننسى أننا في الأصل لم نخترها.

الطفل الذي اعتاد أن يكتم مشاعره حتى لا يغضب أحد قد يكبر وهو لا يعرف كيف يعبر عن غضبه.

ومن اعتاد أن يتنازل عن حقه حتى يحافظ على علاقة قد يجد نفسه بعد سنوات يتنازل عن نفسه كاملةً من أجل ألا يخسر أحدًا.

ومن اعتاد أن يسمع أن أحلامه أكبر من إمكاناته قد يتوقف عن الحلم قبل أن يمنحه أحد فرصة حقيقية.

وهكذا لا يعود الألم مجرد تجربة مررنا بها بل يصبح أحيانًا طريقة نتعامل بها مع الحياة.

والأصعب من ذلك أن الإنسان قد يدافع عن هذه الطريقة باعتبارها نضجًا. يقول أنا فهمت الدنيا بينما يكون ما حدث في الحقيقة أنه فقد جزءًا من دهشته وجزءًا من حقه في الاعتراض وجزءًا من إيمانه بأن الأشياء يمكن أن تكون أفضل.

وليس كل تأقلم شفاءً كما أن القدرة على الاستمرار ليست دليلًا على أن الجرح قد التأم. هناك فرق بين أن تتجاوز الألم وبين أن تتعلم كيف تخفيه. المتعافي يستطيع أن يتذكر ما حدث دون أن يعيش داخله من جديد، أما من اعتاد الألم فقد يواصل حياته وهو يحمل الجرح في مكان لا يراه أحد. يذهب إلى عمله، ينجز مسؤولياته، يضحك، يتحدث، وربما يبدو أكثر الناس قوة، لكن داخله لا يزال ينتظر شيئًا لم يحدث، أو اعتذارًا لم يصل، أو أمانًا لم يعرفه، أو فرصة ليكون محبوبًا دون أن يثبت أنه يستحق الحب. ولهذا فإن بعض الأشخاص لا يحتاجون إلى سؤالهم لماذا تغيرت؟ بقدر ما يحتاجون إلى سؤال أكثر رحمة منذ متى وأنت تجبر نفسك على أن تكون بخير؟. وفي العلاقات الإنسانية تحديدًا، يظهر الاعتياد على الألم بصورة واضحة. قد يتعلم الإنسان أن يبرر ما يؤذيه لأن الاعتراف بحقيقته يعني الاعتراف بأنه قضى وقتًا طويلًا في مكان لم يكن مناسبًا له.

وقد يخلط بين الحب وبين الصبر على الأذى، وبين الوفاء وبين إلغاء الذات، وبين التسامح وبين السماح بتكرار الجرح. وليس معنى ذلك أن كل علاقة تخلو من المشكلات، فكل علاقة إنسانية حقيقية فيها اختلاف وغضب وسوء فهم وتنازل، لكن هناك فرقًا بين الخلاف الذي يفتح بابًا للحوار، والأذى الذي يتحول إلى نمط متكرر وبين تنازل يختاره الإنسان بحب، وتنازل يُفرض عليه خوفًا من الفقد.

الحب لا يفترض أن يجعل الإنسان يعيش في حالة دائمة من القلق ولا ينبغي أن يكون ثمن البقاء في علاقة هو أن يفقد الإنسان احترامه لنفسه.

وفي الأسرة كذلك قد يتحول ما يسمى أحيانًا التضحية من أجل البيت إلى حمل دائم على شخص واحد، ثم نستغرب عندما يتعب. نحن نمدح الإنسان الذي يعطي بلا حدود لكننا ننسى أن الإنسان بلا حدود واضحة قد يصل في النهاية إلى مرحلة لا يعرف فيها أين تنتهي مسؤولياته وأين تبدأ حياته الخاصة.

ومن هنا نحتاج إلى إعادة النظر في مفهوم القوة نفسه.

القوة ليست أن تتحمل كل شيء، وليست أن تكون الشخص الذي لا يحتاج أحدًا وليست أن تخفي دموعك حتى يصفق لك الآخرون لأنك صلب. القوة الحقيقية قد تكون في أن تقول لقد تعبت، وفي أن تطلب المساعدة وفي أن تضع حدًا لما يؤذيك وفي أن تعترف بأنك لا تستطيع الاستمرار بالطريقة نفسها، وفي أن تمنح نفسك الحق في الراحة دون أن تشعر بالذنب.

قد تكون القوة أيضًا في أن تختار نفسك بعد سنوات قضيتها في إرضاء الجميع. وربما يكون أصعب ما يواجهه الإنسان ليس الخروج من الألم، وإنما تصديق أن الحياة يمكن أن تكون مختلفة بعده. فحين يعتاد شخص الفوضى، قد يشعر بالقلق أمام الهدوء، وحين يعتاد الحب المشروط، قد يشك في الحب الذي يأتيه دون مقابل، وحين يعيش طويلًا وهو ينتظر الأسوأ، قد يجد الطمأنينة نفسها شيئًا غريبًا عليه.

وهذا يفسر لماذا لا يكفي أحيانًا أن نخرج من المكان المؤلم فنحن نحتاج أيضًا إلى أن نتعلم كيف نعيش خارجه.

نحتاج إلى إعادة اكتشاف أنفسنا، إلى معرفة ما نريده فعلًا، إلى التعرف على حدودنا، وإلى إدراك أن ما اعتدناه ليس بالضرورة ما نستحقه.

قد تعتاد الوحدة لكن هذا لا يعني أنك خُلقت وحيدًا. وقد تعتاد القسوة، لكن هذا لا يجعلها حقًا في حياتك.

وقد تعتاد الحرمان، لكن هذا لا يعني أنك لا تستحق الوفرة. وقد تعتاد أن تكون آخر اهتمامات الجميع، لكن هذا لا يعني أنك يجب أن تكون آخر اهتمامات نفسك أيضًا. إن الاعتياد ليس دليلًا على أن الشيء أصبح صحيحًا، كما أن طول المدة ليس دليلًا على أن الجرح أصبح صحيًا. أحيانًا نقول أنا تعودت بينما المعنى الحقيقي هو لم أعد أملك الطاقة للمقاومة. وبين الجملتين فرق كبير. لذلك علينا أن نتوقف من وقت إلى آخر أمام حياتنا، لا لنحاسب أنفسنا على ما لم نستطع تغييره، بل لنسأل بصدق هل ما أقبله اليوم كنت سأقبله لو رأيته يحدث أمامي للمرة الأولى؟ هل أنا أعيش لأنني اخترت هذه الحياة، أم لأنني خفت من تغييرها؟ هل صمتي راحة، أم خوف؟ هل صبري فضيلة، أم عجز عن وضع حد؟ وهل أنا فعلًا بخير، أم أنني فقط أصبحت بارعًا في إقناع الآخرين بذلك؟ ربما لا نستطيع تغيير كل ما حدث لنا، ولا يمكننا العودة إلى الماضي لنمنح أنفسنا طفولة مختلفة أو علاقة مختلفة أو ظروفًا أكثر رحمة، لكن يمكننا أن نقرر ألا يتحول ما حدث إلى سجن دائم. الماضي يفسر بعض جراحنا، لكنه لا يجب أن يكتب بقية حياتنا.

ومن حق الإنسان أن يتغير، وأن يراجع اختياراته وأن يغادر ما يؤذيه وأن يبدأ من جديد حتى لو تأخر وحتى لو قال له الآخرون لقد اعتدت. نعم ربما اعتدنا لكننا لسنا مطالبين بأن نقضي بقية أعمارنا أسرى لما اعتدناه. فالحياة ليست مسابقة في مقدار الألم الذي نستطيع تحمله، وليست شهادة تُمنح لمن بقي واقفًا رغم كل شيء.

الحياة أيضًا أن نجد مساحة آمنة نضع فيها رؤوسنا، وأن نضحك دون أن نشعر أننا نخون أحزاننا، وأن نحب دون خوف دائم من الفقد، وأن نقول لا دون أن نرتجف من فكرة أن يتركنا أحد، وأن نكون أنفسنا دون الحاجة إلى اعتذار مستمر عن وجودنا. وربما تكون أول خطوة نحو التعافي هي أن نتوقف عن تمجيد قدرتنا على التحمل، وأن نعترف بأن بعض الأشياء لم تكن طبيعية لمجرد أننا تعودنا عليها. فليس كل ما نجونا منه يستحق أن نعود إليه، وليس كل ما تحملناه يجب أن نتحمله مرة أخرى. قد تكون بخير فعلًا، وقد تكون فقط قد أصبحت خبيرًا في إخفاء تعبك.

وبين الأمرين مساحة لا يملؤها إلا الصدق مع النفس.

وحين نمتلك شجاعة هذا الصدق نبدأ في فهم أن الرحمة بالنفس ليست ضعفًا، وأن الراحة ليست كسلًا، وأن طلب المساعدة ليس عيبًا، وأن اختيار حياة أكثر هدوءًا ليس أنانية.

عندها فقط يمكن أن يتحول الألم من شيء نعيش داخله إلى شيء نتعلم منه، ومن قصة تلاحقنا إلى فصل انتهى ومن جرح اعتدنا وجوده إلى أثر نتذكره دون أن يسمح له بأن يحدد من نكون.

فربما لم تكن المشكلة يومًا أنك لم تكن قويًا بما يكفي وربما كنت قويًا أكثر مما ينبغي حتى نسيت أن من حقك أن تعيش حياة لا تحتاج فيها إلى أن تكون قويًا طوال الوقت.

زر الذهاب إلى الأعلى