مقالاتمنوعات

إشكالية العقل الإعلامي الشبكي, بقلم: أشرف عبد الحميد

قراءة نقديّة في دلالات انفتاح المؤسسات على ظاهرة "صناع المحتوى"

إشكالية العقل الإعلامي الشبكي:

قراءة نقديّة في دلالات انفتاح المؤسسات على ظاهرة “صناع المحتوى”

 

بقلم: أشرف عبد الحميد

تثير المساعي واللقاءات التأسيسية التي تجريها مؤسسات الإعلام الرسمي والدولة لمخاطبة دوائر “المؤثرين وصناع المحتوى” على الفضاء الرقمي، تساؤلات جوهرية في الأوساط الفكرية والثقافية. هل ينطوي هذا التحرك على اعتراف بواقع رقمي يتطلب التنظيم والاحتواء، أم أنه يمثل تراجعاً غير مقصود للمؤسسية الثقافية والإعلامية لصالح نموذج يعتمد الاستهلاك السريع والإثارة العابرة؟

إن قراءة هذه المعضلة تنم عن صراع عميق بين مفهومين: مفهوم “الوعي الوطني المترابط” القائم على القيم والمسؤولية الأخلاقية، ومفهوم “اقتصاد الانتباه” الرقمي الذي يقيس النجاح بعدد المشاهدات والتفاعل، بغض النظر عن قيمة المادة المعروضة أو آثارها المجتمعية.

أولاً: من هؤلاء؟ وتفكيك بنية المحتوى الرقمي السائد

حين نتأمل شريحة واسعة من ظواهر “المؤثرين” و”صناع المحتوى” الذين تحولوا إلى مادة مستهدفة بالتواصل الاجتماعي والإعلامي، يمكن تصنيف الأغلبية المهيمنة منهم ضمن الأنماط الآتية:

صناع المادة الاستهلاكية والسطحية: الاعتماد المباشر على المادة الترفيهية الفجة، والمقالب المصطنعة، واستعراض تفاصيل الحياة الشخصية لجمع التفاعلات المالية والتجارية دون تقديم أي قيمة فكرية أو معرفية.

مروجو ثقافة “الابتذال السريع”: الاعتماد على سلوكيات تضرب القيم الثقافية والمجتمعية، وتكريس نماذج قدوة زائفة لدى الأجيال الجديدة قائمة على الثراء السريع دون جهد أو علم أو إنتاج حقيقي.

أسرى خوارزميات الانتشار: الارتهان لآليات منصات التواصل الرقمي التي تفضل المادة الميدانية الملموسة والمثيرة، على حساب الفكر العميق والتحليل الرصين.

ثانياً: دوافع ومخاطر الاعتراف الرسمي بالظاهرة

تطرح خطوات فتح قنوات الحوار مع هذه الشريحة أبعاداً مزدوجة بين الأهداف التنظيمية والمخاطر الضامنة للوعي الجمعي:

1. الرؤية الرسمية (الاحتواء والتنظيم)

ترى المؤسسات الإعلامية أن اتساع الفجوة بين المشهد الإعلامي التقليدي والشرائح الشبابية يفرض التعامل المباشر مع هذا الفضاء الرقمي، بهدف وضع أطر ضابطة، وتوجيه الرسائل الرقمية نحو سياقات بناءة، ومحاولة إخضاع المنصات لقواعد المسؤولية المجتمعية والأخلاقية.

2. المخاطر الاستراتيجية للاعتراف الضمني

شرعنة الابتذال: قد يُفهم اللقاء والتواصل مع نماذج لا تقدم قيمة حقيقية كنوع من التكريس والاعتماد الرسمي لأعمال تضر بالذوق العام والعقل الجمعي.

تخفيض معايير القدوة الوطنية: تقديم صناع المحتوى الاستهلاكي في واجهة المشهد يبعث برسالة سلبية للشباب والباحثين والعلماء والمبدعين، مفادها أن التأثير والمكانة مقترنان بعدد المتابعين وليس بقيمة ما يُقدم.

تزييف مفهوم الوعي: اختزال الرسالة الإعلامية والثقافية في مجرد “هاشتاجات” ومقاطع قصيرة يهدد بتسطيح القضايا المصيرية وتغييب الفكر النقدي لدى المجتمع.

ثالثاً: الرؤية الاستراتيجية لإعادة ضبط المشهد الرقمي

إن التعاطي المؤسسي مع ظاهرة الفضاء الرقمي لا ينبغي أن يتوقف عند مجرد الاستيعاب والتواصل الخدمي، بل يتطلب رؤية سيادية حازمة تعيد صياغة قواعد اللعبة:

التمييز بين الترفيه التدميري والمحتوى التنموي: وجوب وضع معايير صارمة لتحديد من يُدعى ومن يُمثّل صناعة المحتوى، والاقتصار على المبدعين وصناع المحتوى التثقيفي والهندسي والنوعي الذي يخدم التنمية المستدامة والسيادة المعرفية.

فرض أطر التنظيم والإنفاذ القانوني: تطبيق تشريعات الأجهزة الرقابية والضريبية والأخلاقية على المنصات الرقمية بحزم، لمنع التربح من المحتوى الهادم وضبط فوضى النشر.

استعادة المبادرة الإعلامية والثقافية: بناء منصات وطنية رقمية قادرة على تقديم محتوى جذاب وقوي إنسانياً وثقافياً يزاحم المحتوى الهابط ويستعيد العقل الشبابي نحو قضايا البناء والعمل.

زر الذهاب إلى الأعلى