الآن أصبحت حرة…
لم يعد أحدا يتحكم في صمتها وكلامها، في نومها واستيقاظها، في كل نفس تتنفسه، وكل خطوة تخطوها.
في أول الأمر، لم تكن تعرف ماذا تفعل بهذه الحرية. كانت تقف طويلا أمام الأشياء البسيطة، وتتردد قبل أن تختار، كأن صوتاً قديمًا في داخلها ما زال ينتظر منها أن تستأذنه.
ثم تتذكر…
أنه لم يعد هناك من ينتظر منها جوابا، ولا عين تراقب، ولا صوت يسألها لماذا؟
فبعض القيود لا تسقط بخروج أصاحبها من حياتنا، بل تبقى ظلالها في داخلنا، تراقبنا من حيث لا ندري، وتجعلنا نستأذن حتى في الأشياء التي أصبحت لنا.
لأول مرة… استطاعت أن تسمع نفسها بوضوح .
اكتشفت أن لها أشياء تحبها، وأخرى تنفر منها، وأن قلبها، الذي قضت وقتا طويلا في إسكاته، ما زال يعرف كيف يخفق…
يخفق حين تفرح بباقة من الورود الجميلة، أو ضحكة طفل صغير، أو ببالونات ملونة تتطاير في السماء، أو بمفرقعات نارية تضيء بجمالها عتمة الليل.
أشياء كثير صغيرة أيقظت فيها شيئا ظنت أنه مات.
وعادت إلى نفسها القديمة… إلي تلك التي تركتها يوماً على أعتاب تلك الحياة القاسية، حين كانت تصارع الألم، وتحاول أن تنجو من وحوش آدامية في هيئة بشر.
تحاول أن تستردها… وأن تعوض نفسها عن سنوات مضت من عمرها، عن سعادة غابت عنها، وعن فرح أجل طويلاً، وعن أشياء صغيرة كان يمكن أن تجعل حياتها أجمل، لولا أنها كانت مشغولة طوال وقتها بالنجاة.
تشتري ما تحب الآن، وتفرح بما يبهج قلبها، وتتوقف أمام الورود التي تحبها، وتداعب طفلاً صغيراً يضحك لها، وترفع عينيها إلي السماء حين تتناثر فيها الألعاب النارية.
لم تكن تلك التفاصيل كما تبدو تافهة، كانت، في داخلها، اجزاء صغيرة من عمر ضائع تحاول أن تسترده.
انفتح الباب، فخرجت…
لم تركض. فقط مشت ببطء، وكأنها تخشى أن توقظ هذا الحلم فينتهي.
وعندما رفعت وجهها إلى السماء، شعرت بشيء دافئ ينساب في صدرها.
فرح خجول، وخفة غريبة، وقليل من الخوف أيضا.
فالذين اعتادوا القيود طويلا لا يعرفون كيف يتعاملون مع اتساع الطريق.
تنفست بعمق…
كان الهواء عاديا، لكنها شعرت به للمرة الأولى.
أكلت ما تشتهي، وتحدثت عندما رغبت في ذلك، وصمتت حين لم تجد ما يستحق الكلام، ونامت واستيقظت دون أن تشرح لأحد لماذا.
وللمرة الأولى… لم تكن تحاول أن تكون كما ينبغي لها أن تكون.
كانت فقط… هي.
وكان ذلك، وحده، كافيا.
فهي وإن لم تعد تستطيع أن تستعيد السنوات التي مضت، تحاول أن تستعيد صاحبة تلك السنوات.
وفي كل مرة تحاول أن تفعل ذلك، كان شيئاً منها يعود…
شيئا لم يستطع أن يقتله ذلك الألم.
وأدركت، أنها لم تكن تبدأ حياة جديدة فحسب… بل كانت تعود أخيراً إلى نفسها.
سنوات احترقت،
تلم شظاياها،
وردة وردة.
أحاديث الروح
بقلم/ رشا القمحاوي








