مقالات

الإعلامية المغربية هدى نصر الدين البكاى تكتب : من يعبر النيل ..يصل إلى الأطلس

الإعلامية المغربية هدى نصر الدين البكاى تكتب : من يعبر النيل ..يصل إلى الأطلس

الإعلامية المغربية هدى نصر الدين البكاى تكتب :

من يعبر النيل ..يصل إلى الأطلس

 

هناك أوطانٌ تُعرَف بحدودها، وأوطانٌ تُعرَف بتاريخها، لكن المغرب ومصر من تلك البلاد النادرة التي لا يمكن اختصارها في خرائط الجغرافيا. فحين يُذكر المغرب، تمتد في المخيلة جبال الأطلس، وأزقة فاس، وأبواب مراكش، وأمواج الصويرة، وصومعة حسان التي ما زالت ترفع رأسها في وجه الزمن. وحين تُذكر مصر، يجري النيل في الذاكرة قبل أن يجري في الأرض، وتصمد الأهرامات شاهدة على عبقرية الإنسان، ويصدح صوت القاهرة التي لم تكن يوماً مجرد مدينة، بل ذاكرة، وحضارة.

 

بين هذين البلدين، لا تمتد المسافات بقدر ما تمتد الحكايات. حكايات شعبين التقيا في حب العلم، وفي تقديس الجمال، وفي الإيمان بأن الحضارة ليست ما نتركه من حجارة فحسب، بل ما نتركه من أثر في قلوب البشر.

 

ثمة بلدان لا تزورها للمرة الأولى، بل تشعر أنك تعود إليها. هكذا هو المغرب في عيون كثير من المصريين، وهكذا هي مصر في وجدان كثير من المغاربة. في البلدين إحساس غريب بالألفة؛ كأن الروح تعرف الطريق قبل أن تخطو إليه، وكأن الذاكرة تحفظ الوجوه قبل أن تتعارف.

 

المغرب… أرضٌ لا تشبه إلا نفسها. له لغته الخاصة في الجمال. جمال لا يعلن نفسه بصخب بل يكشف عن روحه بهدوء في مدنه العتيقة المتنوعة … من زرقة شفشاون التي تبدو كأنها قصيدة رُسمت على سفح جبل، إلى بهاء مراكش التي تعيد الزائر الى حكايات الف ليلة وليلة ، ومن فاس حيث جامعة القرويين تقف شاهدة على ان المعرفة ارث لا يشيخ ، إلى رباط النور والمحبة العاصمة التي تجمع الهدوء بالاصالة والحداثة ، ومن طنجة التي فتحت نوافذها على المتوسط والأطلسي معاً، إلى الصحراء المغربية التي تعلّم الزائر أن للصمت هيبة، وللرمال ذاكرة صامدة.

 

وعلى الضفة الأخرى من القلب العربي، تنهض مصر كما عرفها التاريخ دائماً؛ حضارة لا تستعرض عظمتها لأنها لا تحتاج إلى ذلك. يكفي أن يقف الإنسان أمام الأهرامات حتى يدرك أن الزمن نفسه قد ينحني احتراماً لعبقرية الإنسان. ويكفي أن يسير بمحاذاة النيل، عند الغروب، ليفهم لماذا اختارت الحضارات الكبرى أن تبدأ من هنا.

 

القاهرة ليست مدينة تُرى فقط، بل مدينة تُقرأ. في شوارعها صفحات من التاريخ، وفي أحيائها القديمة أصوات أجيال تعاقبت، وفي خان الخليلي تختلط رائحة الكتب القديمة بعبق القهوة، بينما يظل الأزهر منارة للعلم، والإسكندرية ميناء للمحبة وتلاقح الثقافات، والأقصر وأسوان متحفاً لا سقف له، يروي للإنسانية كيف يمكن للحجر أن يصبح لغة خالدة.

 

لقد منح المغرب العالم نموذجا فريدا في التعدد والانفتاح وجعل من موقعه جسرا بين افريقيا والعالم العربي وأوروبا وصاغ هويته من روافد متعددة ظلت تتعايش في انسجام. ومنحت مصر الإنسانية احدى اعرق الحضارات واهدت الثقافة العربية أسماء صنعت وجدان أجيال كاملة فكانت مدرسة في الفكر والفنون والابداع.

 

فما أجمل أن يتأمل المغربي النيل، فيراه نهراً يحمل الحياة كما يحمل الحكايات. وما أجمل أن يقف المصري أمام الأطلس، فيرى جبالاً لا تكتفي بحراسة الأرض، بل تحرس ذاكرة أمة كاملة. النيل والأطلس… أحدهما يجري، والآخر يعلو، لكنهما يلتقيان في درس واحد: أن العظمة لا تحتاج إلى ضجيج.

 

وربما لهذا السبب، ظل الشعبان يتبادلان المحبة قبل الكلمات.

 

كم من مغربي حمل في حقيبته كتاباً لكاتب مصري، أو تربى على أغنية خرجت من القاهرة، أو ضحك مع مسرحية، أو تأثر بفيلم، أو حفظ قصيدة ولدت على ضفاف النيل. وكم من مصري أحب المغرب من خلال موسيقاه، وعمارة مدنه، وكرم أهله، ودفء مجالسه، وروح أسواقه، ورائحة النعناع في كأس شاي، أو نسمة بحر في أصيلة، أو مساء هادئا على ضفاف نهر ابي رقراق في الرباط.

وحين يلتقي مغربي بمصري لا يحتاجان الى كثير من التعارف يكفي حديث عابر عن كتاب او اغنية او مدينة او طبق شعبي حتى يكتشف كل منهما ما يجمعهما من ذاكرة مشتركة وان ما نسجته الثقافة عبر العقود كان اعمق من كل شيء.

 

لقد تبادلت الرباط والقاهرة أكثر من الوفود الرسمية؛ تبادلتا المثقفين، والطلبة، والمفكرين، والفنانين، والقراء، والسياح، وتبادلت قبل ذلك كله المحبة و الاحترام. فالعلاقة بين البلدين لم تكن يوماً علاقة مصالح عابرة، بل علاقة صنعتها الثقافة بقدر ما صنعها التاريخ، ورسخها الإنسان قبل السياسة.

وحين تكون الحضارة عريقة، يصبح احترامها لحضارة أخرى امتداداً لسموها، لا انتقاصاً من مكانتها. فالتاريخ لا يكتب أمجاده بلغة المفاضلة، وإنما بلغة الإضافة؛ حيث تظل لكل أمة بصمتها، ولكل شعب نوره، وتظل الإنسانية هي الرابح الأكبر كلما التقت الحضارات على قيم الاحترام والمحبة.

 

كم نحتاج اليوم إلى أن نتذكر هذه الحقيقة، في زمن أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي قادرة على تضخيم الأصوات الغاضبة حتى تبدو وكأنها تمثل الشعوب. والحقيقة أن الشعوب أعمق من التعليقات، وأرقى من المهاترات، وأكبر من أن تختزلها لحظة انفعال أو كلمات يكتبها مجهول خلف شاشة.

إن المغرب، بما يحمله من إرث حضاري ضارب في القدم، ومن نموذج في التعايش والانفتاح، يظل معتزاً بأصالته، وواثقاً من مكانته، مؤمناً بأن قوة الأمم لا تُقاس بعلو الصوت، بل بسمو الأخلاق. ومن هذا المنطلق، لا يرى في مصر سوى شقيقة كبرى في التاريخ، وركناً أصيلاً من ذاكرة الأمة العربية والإفريقية، ووطناً أنجب مفكرين ومبدعين وفنانين تركوا بصمتهم في وجدان أجيال كاملة.

 

وربما لهذا السبب، تبدو كل سحابة عابرة في فضاء التواصل الرقمي أصغر من أن تحجب شمس العلاقة بين الشعبين. فليس من الحكمة أن نسمح لتعليق غاضب، أو مزايدة عابرة، أو حماس رياضي مؤقت، بأن يطغى على قرون من المحبة، ولا أن نجعل لحظة تنافس تنسينا أن ما يجمع المغرب ومصر أكبر بكثير من أي مناسبة، وأبقى من أي جدل.

 

حين يزور مغربي مصر، لا يشعر أنه غريب، بل كأنه يقرأ فصلاً جديداً من كتاب يعرفه منذ زمن. وحين يحل مصري بالمغرب، يجد في الوجوه شيئاً من الألفة، وفي الضيافة لغة لا تحتاج إلى ترجمة، وفي المدن روحاً تقول له: أهلاً بك بين أهلك.

 

وهكذا تبقى الأهرامات وصومعة حسان، والكتبية والأزهر، والنيل والأطلس، وخان الخليلي وساحة جامع الفنا، ليست مجرد معالم سياحية يقصدها الزوار، بل شواهد على أن الإنسان العربي، حين يبدع، يترك خلفه ما يتجاوز الحجر إلى المعنى، وما يتجاوز العمر إلى الخلود.

 

وفي النهاية، سيبقى التاريخ أكثر حكمة من ضجيج اللحظة. ستظل مياه النيل تمضي في رحلتها الهادئة، وستظل قمم الأطلس تلامس السماء بثباتها، وستبقى الأهرامات تحرس ذاكرة البشرية، كما ستبقى منارات المغرب العتيقة تضيء صفحات حضارة لم تنقطع جذورها.

ويبقى ما لا يزول…

سيظل المغرب، كما كان دائماً، أرضاً للانفتاح، وملتقى للحضارات، وجسراً بين القارات، يفاخر بماضيه، ويعمل لمستقبله، ويؤمن أن القوة الحقيقية هي قوة الأخلاق.

وستظل مصر، كما عرفها العالم، أمَّ الحضارات، وواحة الفكر، ومنارة الثقافة، وبلداً كلما ظن الناس أنهم عرفوه، اكتشفوا فيه وجهاً جديداً من وجوه الدهشة.

وحين ينظر أحدهما إلى الآخر، لا ينبغي أن يرى منافساً…

بل مرآةً أخرى للعظمة.

زر الذهاب إلى الأعلى