مقالات

الإعلامية وفاء آل شماء تكتب : ( التنمر ) حين تتحول الكلمات إلى ندوب لا تُرى في العين

في عالم يزداد اتصالًا كل يوم، يظن البعض أن التنمر مجرد كلمات عابرة أو مزحة ثقيلة لا تستحق التوقف عندها. لكن الحقيقة أن كثيرًا من الضحايا لا يتذكرون ملامح الأشخاص الذين آذوهم بقدر ما يتذكرون الكلمات التي قيلت لهم، لأنها بقيت عالقة في ذاكرتهم لسنوات طويلة.
لان التنمر ليس خلافًا عابرًا بين شخصين، وليس رأيًا قاسيًا أو نقدًا مباشرًا، بل هو سلوك متعمد ومتكرر يهدف إلى إلحاق الأذى بالآخرين نفسيًا أو لفظيًا أو جسديًا أو اجتماعيًا. يبدأ أحيانًا بكلمة ساخرة، أو تعليق مستهزئ، أو لقب جارح، لكنه قد ينتهي بإنسان فقد ثقته بنفسه، أو انعزل عن محيطه، أو أصبح أسيرًا للخوف والقلق.
الأخطر أن التنمر لم يعد محصورًا في المدارس أو أماكن العمل، بل انتقل إلى الفضاء الرقمي. فأصبحت شاشة الهاتف منصة مفتوحة للسخرية والتجريح والتشهير، وأصبح بإمكان كلمة واحدة أن تصل إلى آلاف الأشخاص خلال دقائق، تاركة أثرًا قد يستمر لسنوات.
ويخطئ من يعتقد أن المتنمر شخص قوي. فالقوة الحقيقية لا تظهر في إهانة الآخرين أو التقليل من شأنهم، بل في احترام اختلافاتهم وتقدير إنسانيتهم. وكثيرًا ما يكون التنمر انعكاسًا لمشكلات داخلية يعيشها المتنمر نفسه، يحاول إخفاءها بإيذاء من حوله.
وإن أخطر ما في التنمر أنه لا يترك دائمًا آثارًا مرئية. فلا كدمات تُرى، ولا جروح تُضمد، لكن هناك ندوبًا نفسية قد ترافق الإنسان طويلًا. فقد يفقد الضحية ثقته بنفسه، أو يتردد في التعبير عن رأيه، أو يعيش شعورًا دائمًا بعدم القبول والخوف من نظرة الآخرين.
من هنا تقع المسؤولية على الأسرة والمدرسة والإعلام والمجتمع بأكمله. فمواجهة التنمر لا تكون بالعقوبات فقط، بل ببناء ثقافة الاحترام، وتعزيز قيم التعاطف، وترسيخ فكرة أن الاختلاف بين البشر ليس عيبًا يستدعي السخرية، بل سنة من سنن الحياة.
وفي النهاية، علينا أن نتذكر أن الكلمات ليست دائمًا أصواتًا عابرة. فبعض الكلمات ترفع إنسانًا، وبعضها تهدمه. وبعض الجروح تلتئم مع الوقت، أما بعض الكلمات فتظل تسكن الذاكرة سنوات طويلة.
لان للأسف التنمر ليس مزحة، وليس رأيًا شخصيًا، وليس حرية تعبير. التنمر شكل من أشكال العنف، يبدأ بكلمةينتهي بإنسان محطم من الداخل ي تخرج منك، فبعضها لا يعود، وبعضها لا يُنسى. وما تراه تعليقًا عابرًا قد يكون معركةً يخوضها شخصٌ بصمت كل يوم. لذلك، اختر أن تكون أثرًا طيبًا في حياة الآخرين، لا جرحا يثقل ارواحهم فالتنمر ليس مزاحًا عابرًا، بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية ستبقى شاهدة على صاحبها قبل غيره.

زر الذهاب إلى الأعلى