التاريخ من وراء الستار
بقلم / محمد مصطفى كامل
حين اقترب تيمور من الشام
برقوق في مواجهة الرجل الذي كان يمدُّ ظله من وراء العراق
في المقال السابق، رأينا كيف خرج برقوق من السجن، وعاد من الكرك، واستعاد عرشه.
لكن عودة برقوق لم تكن نهاية الأزمة.
كانت بداية مرحلة مختلفة تمامًا.
فقد أصبح الرجل الآن سلطانًا بالفعل، ولم يعد مجرد أمير ينافس أمراء آخرين على النفوذ.
وكان عليه أن يفعل شيئًا أصعب:
أن يحوّل انتصاره الشخصي إلى دولة تستطيع أن تبقى بعده.
وفي القاهرة كان برقوق يعيد ترتيب بيت الحكم.
أما بعيدًا إلى الشرق، فكان رجل آخر يعيد ترتيب العالم كله.
رجل لم يكن يبحث عن إمارة صغيرة، ولا عن مدينة، ولا حتى عن دولة بعينها.
كان يبني إمبراطورية.
وكان اسمه:
تيمور.
لم يكن الخطر قد وصل بعد إلى أبواب الشام.
لكن المسافة بين تيمور وبين دولة المماليك كانت تضيق عامًا بعد عام.
برقوق يبدأ من جديد
حين عاد برقوق إلى السلطنة سنة 1390م، كان يعرف أن تجربة سقوطه الأولى لن تتكرر بسهولة.
فقد تعلم من الثورة التي أطاحت به أن أخطر خصوم السلطان ليسوا دائمًا الجيوش التي تأتي من الخارج.
أحيانًا يكون الخطر داخل القصر نفسه.
ولهذا بدأ برقوق في إحكام قبضته على الدولة.
أعاد ترتيب المناصب الكبرى.
وقرّب الرجال الذين يثق بهم.
وأبعد عددًا من خصومه.
وأصبح يعتمد بصورة متزايدة على المماليك الذين ارتبطوا به وببيته.
وهكذا لم يعد برقوق مجرد وريث للقوة التي بناها يلبغا وأمثاله.
بل بدأ يبني شبكة نفوذ خاصة به.
وتشير الدراسات الحديثة إلى أن عهده شهد إعادة تثبيت سلطة الدولة المملوكية بعد عقود من الاضطراب، وأنه نجح تدريجيًا في فرض سلطته على المجال السياسي والعسكري.
لكن توطيد السلطة كان له ثمن.
فكلما زادت قوة برقوق، زاد عدد الرجال الذين رأوا في صعوده تهديدًا لمصالحهم.
وفي سنة 1393م استطاع أن يقضي على خصمه الكبير منتاش، وبذلك أصبح وضعه في السلطنة أكثر استقرارًا.
وبدا للحظة أن القاهرة قد استعادت هدوءها.
لكن الهدوء لم يكن كاملًا.
لأن الأحداث التي كانت تجري في العراق وإيران كانت تحمل خبرًا أخطر.
بغداد تسقط مرة أخرى
كان العراق في ذلك الوقت يعيش صراعًا بين القوى المحلية.
وكان السلطان أحمد الجلائري يحكم بغداد، لكنه كان يواجه ضغطًا متزايدًا من تيمور.
وفي سنة 1393م تحرك تيمور غربًا.
دخل العراق.
ووصل إلى بغداد.
وفرَّ السلطان أحمد الجلائري أمامه.
وسقطت بغداد في يد تيمور.
ولم تكن هذه مجرد مدينة أخرى تدخل في إمبراطورية واسعة.
كانت بغداد تحمل ذاكرة العالم الإسلامي.
عاصمة العباسيين.
مدينة الرشيد والمأمون.
المدينة التي سقطت أمام هولاكو قبل أكثر من قرن.
والآن جاء رجل آخر من الشرق ليضعها تحت قدميه مرة أخرى.
وكانت المفارقة قاسية:
المدينة التي كانت قد خرجت من كارثة المغول الأولى لم تجد نفسها بعيدة عن كارثة جديدة.
وتذكر المصادر الحديثة أن سقوط بغداد سنة 1393م كان ضربة شديدة للدولة الجلائرية، وأن السلطان أحمد لجأ بعدها إلى بلاد الشام المملوكية ثم إلى القاهرة، حيث استقبله برقوق.
وهنا تغيرت المسألة.
فأحمد الجلائري لم يعد مجرد حاكم هارب.
لقد أصبح رجلًا يحمل معه مشكلة كبيرة.
لأن تيمور لم يكن من النوع الذي ينسى خصومه بسهولة.
لماذا استقبل برقوق السلطان الهارب؟
قد يسأل القارئ:
لماذا يفتح برقوق أبواب مصر لرجل يطارده تيمور؟
الإجابة ليست في العاطفة وحدها.
كانت هناك حسابات سياسية.
فاستقبال السلطان أحمد يعني أن برقوق يمنحه حماية.
ومعنى حمايته أن مصر المملوكية لا تعترف بسهولة بسيطرة تيمور على العراق.
والأهم أن برقوق كان يدرك أن سقوط بغداد لم يكن نهاية تحركات تيمور.
بل ربما كان بداية طريق جديد.
فإذا كانت بغداد قد سقطت،فمن المدينة التالية؟
الموصل؟
ديار بكر؟
حلب؟
دمشق؟
أم أن تيمور سيذهب إلى الأناضول؟
كان السؤال مفتوحًا.
وبرقوق لم يكن يريد انتظار الإجابة وهو جالس في القاهرة.
رجل آخر يراقب من الغرب
في هذه اللحظة لم تكن دولة المماليك وحدها تشعر بالخطر.
كان هناك في الأناضول رجل آخر يبني دولة آخذة في الاتساع.
بايزيد الأول العثماني.
كان العثمانيون قد أصبحوا قوة كبيرة في الأناضول والبلقان.
وكان تيمور ينظر إليهم أيضًا باعتبارهم قوة تتوسع في منطقة كانت تدخل ضمن المجال الذي يطمح إلى إخضاعه.
وهكذا بدأت مصالح ثلاث قوى تتقاطع:
المماليك في مصر والشام.
العثمانيون في الأناضول.
تيمور في الشرق.
وفي سنة 1393م، بعد سقوط بغداد، أصبح التقارب بين برقوق وبايزيد أكثر أهمية في مواجهة الخطر القادم من تيمور. وتذكر الدراسات الحديثة أن التحالف بين المماليك والعثمانيين ارتبط بتصاعد خطر تيمور بعد سقوط بغداد.
لكن هذا لا يعني أن العالم الإسلامي كان قد أصبح جبهة موحدة.
فالصراعات القديمة لم تختف.
والدول كانت تتنافس فيما بينها.
والتحالفات كانت تتحرك حسب مصالحها.
لكن للمرة الأولى منذ زمن، كان هناك خطر يمكن أن يجعل خصوم الأمس ينظرون إلى بعضهم باعتبارهم شركاء محتملين.
تيمور لا يرسل جيشه أولًا
كان تيمور يعرف شيئًا مهمًا في السياسة العسكرية:
ليس من الضروري أن تبدأ الحرب بالسيف.
أحيانًا تبدأ الحرب بالرسائل.
والرسائل تختبر الطرف الآخر.
تطلب منه الخضوع.
وتكشف مدى خوفه.
فإذا قبل انتهت المسألة بلا معركة.
وإذا رفض أصبح الرفض نفسه ذريعة للحرب.
وبرقوق لم يكن رجلًا مستعدًا لتقديم نفسه تابعًا.
لقد وصل إلى السلطنة بعد سنوات من الصراع.
وخاض معارك داخلية حتى ثبت قدمه.
وكان يعلم أن التنازل أمام تيمور قد لا ينقذه.
بل قد يجعل مصر نفسها تبدو هدفًا سهلًا.
ولهذا اتجه برقوق إلى الاستعداد.
لم يكن يملك جيشًا صغيرًا.
ولا دولة هشة بالمعنى الكامل.
فمصر كانت لا تزال مركز القوة الاقتصادية للمماليك، والشام كانت جزءًا أساسيًا من منظومتهم السياسية والعسكرية.
لكن المشكلة أن مواجهة تيمور شيء مختلف.
هذا الرجل لم يكن أميرًا عاديًا.
كان قد خرج من قلب عالم السهوب.
وبنى جيشًا تحرك من آسيا الوسطى إلى إيران والعراق، ثم واصل تمدده في اتجاهات متعددة.
تيمور الذي لا يشبه هولاكو
قد يبدو للقارئ أن التاريخ يعيد نفسه.
مغول.
وبغداد.
وجيوش تأتي من الشرق.
وخوف في الشام.
لكن تيمور لم يكن هولاكو.
لقد جاء بعد هولاكو بأكثر من قرن.
وكان عالم الشرق قد تغير.
والدول التي نشأت بعد تفكك الإيلخانيين أصبحت أكثر تعقيدًا.
كما أن تيمور نفسه لم يكن مجرد قائد مغولي بالمعنى القديم.
كان يبني شرعيته السياسية بطريقة مختلفة، واستطاع أن يوظف إرث جنكيز خان إلى جانب أدوات الحكم الإسلامي والفارسي في مشروع إمبراطوري واسع. وتظهر دراسات العصر التيموري أن مشروع تيمور في أواخر القرن الرابع عشر كان مرتبطًا بمحاولة إعادة بناء نموذج إمبراطوري واسع مستلهم من التراث المغولي.
وهنا كان الخطر.
لأن المماليك لم يواجهوا قبيلة عابرة.
كانوا أمام دولة توسعية يقودها رجل أثبت أنه يستطيع تحريك جيوشه لمسافات هائلة.
وبرقوق لا ينتظر
في القاهرة كان برقوق يتابع الأخبار.
وبدأ يتعامل مع تيمور باعتباره خصمًا حقيقيًا.
وتشير المصادر إلى أن برقوق أصبح في مواجهة مباشرة سياسية مع تيمور بعد توسع الأخير في العراق، وأنه اتجه إلى التعاون مع خصوم تيمور، ومنهم العثمانيون.
وكان من الطبيعي أن يصبح السلطان المملوكي جزءًا من حسابات تيمور.
فمن يحمي أعداءه؟
برقوق.
ومن يفتح لهم أبواب مصر؟
برقوق.
ومن يستطيع أن يحرك جيشًا في الشام إذا دخل تيمور المنطقة؟
برقوق.
إذن لم يعد برقوق مجرد سلطان يحكم مصر.
أصبح أحد العوائق التي تقف في طريق مشروع تيمور غربًا.
ولكن القدر سبق المعركة
كان يمكن أن يبدو المشهد وكأننا نقترب من مواجهة مباشرة:
تيمور من الشرق.
برقوق من مصر والشام.
بايزيد من الأناضول.
لكن التاريخ كان يخبئ مفاجأة أخرى.
في سنة 1398م تحرك تيمور إلى الهند.
وفي العام التالي بدأ اتجاهه الكبير نحو الغرب.
وكان برقوق لا يزال يراقب الخطر.
لكن في صيف سنة 1399م حدث ما لم يكن في حسابات أحد.
مات برقوق.
في 20 يونيو سنة 1399م.
وهكذا رحل الرجل قبل أن يرى تيمور جيشه يدخل الشام.
وتولى بعده ابنه الصغير:
الناصر فرج.
وكان في الحادية عشرة تقريبًا عند توليه السلطنة.
وهنا يظهر وجه آخر من وجوه التاريخ.
فبرقوق الذي صعد إلى السلطنة لأنه عرف كيف ينتزع السلطة من أيدي الأمراء ، تركها لابن صغير.
والدولة التي كان قد بدأ في تثبيتها عادت مرة أخرى إلى المشكلة القديمة:
من يحكم عندما يكون السلطان طفلًا؟
لكن هذه المرة كان السؤال أخطر.
لأن تيمور لم يعد بعيدًا.
من وراء الستار…
ربما يبدو صعود برقوق في البداية قصة رجل مملوك أصبح سلطانًا.
لكن الحقيقة أعمق من ذلك.
برقوق كان علامة على انتقال دولة المماليك إلى عصر جديد.
لقد أنهى عمليًا مرحلة طويلة من هيمنة البيت القلاووني على العرش، وأرسى حكم المماليك الشراكسة الذي سيستمر حتى نهاية السلطنة المملوكية سنة 1517م.
لكن المشكلة لم تكن في برقوق وحده.
فالنظام المملوكي كان يستطيع أن يصنع سلطانًا قويًا ، لكنه لم يكن يضمن دائمًا أن يكون خليفته قويًا مثله.
وبرقوق مات قبل أن يعرف هل نجحت محاولته في بناء دولة أقوى من الأشخاص.
ثم جاء السؤال الأصعب:
ماذا يحدث عندما يطرق تيمور أبواب الشام، بينما يجلس طفل على عرش المماليك؟
لم يعد الخطر هذه المرة مجرد أخبار تأتي من بعيد.
لقد تحركت الجيوش.
وسقطت المدن.
وتغيرت خريطة الشرق.
وفي الطريق إلى الشام كانت هناك مدينة ستصبح أول اختبار حقيقي للدولة المملوكية الجديدة:
حلب.
وهناك سنترك القاهرة للحظة.
ونتبع جيش تيمور وهو ينزل من الشرق.
حين دخل تيمور الشام.








