التعلم بينَ الواقعِ والمفروضِ.. حكاياتٌ تعكسُ الفنون في الأسلوبَ
بقلم: جمالِ القاضي
اقتربتْ الدراسةُ لتفتحَ المدارسُ أبوابَها أمامَ الطلابِ لعامٍ دراسيٍّ جديدٍ يأملُ معه الجميعُ في أنْ يكونَ أفضلَ من العامِ الذي مضى، مع تكثيفِ المتابعاتِ من الجهاتِ المعنيةِ للوقوفِ على الأسلوبِ الأمثلِ لتحسينِ جودةِ الأداءِ حتى ينعكسَ ذلكَ على عمليةِ التعلمِ والتعليمِ.
بينَ الذهابِ والعودةِ: همومٌ يحملُها الطلابُ في حقائبِهم
حينَ تشرقُ الشمسُ في كلِّ صباحٍ، يفيقُ الطلابُ على واقعٍ يكرهُه معظمُ الأبناءِ، حينَ يذهبُ الأبُ والأمُّ ليوقظا أبناءَهما للذهابِ للمدرسةِ، حينها يشعرُ هؤلاءِ الأبناءُ وكأنهم سيذهبونَ غصبًا لسجونٍ خاصةٍ، وهي في صورةِ فصولٍ دراسيةٍ محكمةِ الأبوابِ داخلَ أسوارِ المدرسةِ، حيثُ يحملونَ فوقَ أكتافِهم حقائبَ قد مُلِئتْ بالواجباتِ المنزليةِ، ربما لم يستطعْ معظمُهم إنجازَها في هذا الوقتِ القصيرِ المتبقي ما بينَ العودةِ من المدرسةِ والدروسِ الخصوصيةِ وبينَ الجلوسِ بإرهاقٍ لتناولِ وجبةِ الغداءِ في نهايةِ اليومِ، فيلقي هذا حقيبتَه من على ظهرِه ويتناولُ هذا وجبتَه سريعًا، ثم يهربُ كلٌّ منهما من واجباتِه الدراسيةِ بالذهابِ إلى النومِ، ربما في نظرِه يرى بذلك أنه ربما يستريحُ من همومِ يومِه في المدرسةِ والدروسِ، لكنه نسيَ أنه غدًا سيواجهُ العقابَ من معلمِه إما بخصمِ الدرجاتِ المستحقةِ للتقييمِ الذي لم يكملْه أو باستدعاءِ وليِّ أمرِه.
بينَ المفروضِ والمرفوضِ: معلمٌ يسألُ وتلميذٌ يجيبُ
وبينَ ما تفرضُه طريقةُ التدريسِ والواقعُ الأليمُ، وفي أروقةِ الفصولِ حوارٌ يدورُ؛ سألَ أحدُ المعلمينَ إحدى التلميذاتِ بفصلِه أثناءَ حصةِ العلومِ عندَ حسابِ عددِ النيوتروناتِ الموجودةِ داخلَ نواةِ أحدِ العناصرِ وهو عنصرُ الصوديومِ — حيثُ من المعلومِ أنه عندَ حسابِ عددِ النيوتروناتِ داخلَ نواةِ الذرةِ يتمُّ طرحُ العددِ الذريِّ من العددِ الكتليِّ، حيثُ كانتْ قيمةُ العددِ الكتليِّ لهذه الذرةِ هي العددَ ٢٣ وقيمةُ العددِ الذريِّ هي ١١ — قائلاً لها: ما هو نتيجةُ طرحِ العددِ الذريِّ من العددِ الكتليِّ؟ فكانَ جوابُها: الناتجُ هو ٢٠! حينها وقفَ المعلمُ متعصبًا ومتعجبًا: كيفَ يا ابنتي يكونُ الناتجُ ٢٠؟!
لكنه جاءَ بطريقةٍ أخرى لعلها تكونُ مجديةً لهذه العمليةِ الحسابيةِ في الرياضياتِ قائلاً: يا ابنتي، معكِ من النقودِ ٢٣ جنيهًا قد أعطاها لكِ والدُكِ قبلَ ذهابِكِ للمدرسةِ، واشتريتِ من هذه النقودِ كذا وكذا ما قيمتُه ١١ جنيهًا، فكم بقيَ معكِ من إجماليِّ المبلغِ الأساسيِّ الذي كان معكِ؟ صمتتْ قليلاً وكأنها راحتْ تجوبُ في خاطرِها بحثًا عن هذا المالِ، ثم فجأةً وجدتْ الناتجَ قائلةً: سيبقى معي من هذه النقودِ ١٢ جنيهًا!
بينَ السؤالِ والجوابِ: معلمٌ يستحدثُ الأسلوبَ
لعلنا اتبعنا أساليبَ عديدةً على مدارِ العصورِ ونظنُّ منها أنَّ هذه هي الأصوبُ في طرقِ التعلمِ، لكننا رأينا أنَّ معظمَها كانتْ له سلبياتٌ أكثرُ من الإيجابياتِ، فذهبنا لاستحداثِ غيرِها، فجعلنا أنفسَنا ندورُ في دائرةٍ لا ولن تنتهي حلقاتها، وكلُّها كانتْ وستظلُّ تأخذُنا في فراغٍ لم تكنْ منه الفائدةُ المرجوةُ لتحقيقِ الهدفِ المنشودِ. فبينَ طريقةٍ وطريقةٍ نسمعُ عن التطويرِ في التعليمِ، لكنَّ البعضَ قد يستحدثُ طريقةً من تصميمِه يراها تصلحُ لتدريسِ مادةٍ ما وبأسلوبِه الخاصِّ بعيدًا عن تلك الأساليبِ الجافةِ؛ فحينَ قامَ معلمُ الرياضياتِ باستبدالِ طرقِ التدريسِ المتبعةِ بطريقةٍ يستخدمُها الطالبُ نفسُه في حياتِه اليوميةِ مثل: “كان معكِ مبلغٌ من المالِ كذا، وقد صرفتِ منه كذا جنيهًا، فكم تبقى منه؟”، فكانَ جوابُها سريعًا صحيحًا. والسؤالُ: لماذا كان الجوابُ مع هذه الطريقةِ سريعًا وصحيحًا؟ والجوابُ: أنه أسلوبٌ للتدريسِ استُخدِمَ من الواقعِ الذي يعيشُ فيه الطالبُ، وذلكَ من خلالِ الممارساتِ اليوميةِ.
وعندما سألَ معلمُ الرياضياتِ أحدَ طلابِه عن ناتجِ قسمةِ ٢٠ على واحدٍ، فأجابَه: لا أعلمُ! ومع استخدامِ نفسِ الطريقةِ قائلاً: أعطاكَ والدُكَ ٢٠ جنيهًا قائلاً: “هذه مقسمةٌ عليكَ أنتَ وحدَكَ، فكم يكونُ معكَ؟”، قالَ: الناتجُ يكونُ معي ٢٠ جنيهًا!
بينَ المحتوى والمضمونِ: اقتراحاتٌ للتطويرِ والتحسينِ
إنَّ المقصودَ من هذه القصصِ هو لنعلمَ أنَّ الأسلوبَ الجافَّ الذي قد يُفرضُ على المعلمِ لاستخدامِه قد لا يؤدي الغرضَ في التعلمِ، لكننا إن أردنا أن نُعلِّمَ تعليمًا حقيقيًا فعلينا أن نتبعَ الآتي:
١- اختيارُ المنهجِ والمحتوى التعليميِّ الذي يتوافقُ مع طبيعةِ الحياةِ.
٢- أنْ يقومَ بوضعِ هذه المناهجِ خبراءُ في المجالِ.
٣- دراسةُ ميولِ الطالبِ والسماتِ العامةِ لشخصيةِ المتعلمِ: وذلكَ من خلالِ دراسةِ التطوراتِ الحياتيةِ بكلِّ نواحيها والتي تؤثرُ في جوانبِ شخصيةِ المتعلمِ، وهل يتوافقُ هذا كلُّه مع المنهجِ أم لا، وما هو المقترحُ الذي يمكنُ إضافتُه؟
٤- دراسةُ مدى تأثيرِ المناهجِ على الحالةِ النفسيةِ للمتعلمِ: حيثُ يتمُّ ذلكَ من خلالِ علماءِ النفسِ، وذلكَ بدراسةِ وتحليلِ شخصيةِ المتعلمِ ومدى تأثيرِ المنهجِ في شخصيتِه وحالتِه النفسيةِ، وما هي النقاطُ التي تؤثرُ سلبًا على المتعلمِ، وكذلك ما هو أسلوبُ التقييمِ الأمثلُ الذي يمكنُ أن يُستخدمَ لقياسِ مدى تعلمِ الطالبِ للمعارفِ والمهاراتِ ونعملُ على تطويرِه.
٥- وضعُ الطريقةِ التي تتناسبُ مع المنهجِ:
يقومُ أساتذةُ طرقِ التدريسِ بتحديدِ أنسبِ الطرقِ للتدريسِ والتي يمكنُ أن تتناسبَ مع قدراتِ المتعلمِ الذهنيةِ وقدراتِ المعلمِ التربويةِ، على أن تُتركَ المساحةُ للمعلمِ في استخدامِ مواهبِه الشخصيةِ فيما يراه مناسبًا من طرقِ تدريسٍ، والتي يمكنُ أن يتعلمَ من خلالِها المتعلمُ مجموعةَ المهاراتِ والمعارفِ والجداراتِ دونَ أن يؤثرَ ذلكَ على كرامةِ الطالبِ (المتعلمِ) أو المعلمِ؛ فهو من يرى الأفضلَ في نظرِه من الأساليبِ لاستخدامِ طريقةٍ تتناسبُ مع ميولِ الطالبِ ويتقنُ معها تعلمَ مجموعةِ المهاراتِ والمعارفِ من خلالِها (كاستخدامِ أحدِ المعلمينَ طريقةَ الغناءِ لبعضِ المعلوماتِ مما يستحضرُ عقلَ الطالبِ وكذا مشاعرَه فينجذبُ للأسلوبِ وبالتالي يكونُ التعلمُ).
٦- دراسةُ الميولِ الشخصيةِ للطلابِ والعملُ على توظيفِ هذه الميولِ: حينَ يصبحُ المتعلمُ مؤهلاً لتوظيفِ إمكانياتِه النفسيةِ وقدراتِه الذهنيةِ والعقليةِ من خلالِ دراسةِ ميولِه الشخصيةِ، يصبحُ مستعدًا استعدادًا نفسيًا لتلقي المعلوماتِ التي تُوظَّفُ من أجلِ بناءِ شخصيتِه وجعلِه مواطنًا صالحًا، مما يساهمُ بشكلٍ مباشرٍ في تطويرِ المجتمعِ.
وأخيرًا:
نحنُ بحاجةٍ للنظرِ للتعليمِ كقضيةٍ قوميةٍ تمسُّ الجميعَ، ويجبُ أن يشاركَ في هذا التطويرِ كافةُ طوائفِ المجتمعِ، من معلمٍ وطالبٍ وأسرةٍ ومؤسساتٍ مجتمعيةٍ وإعلاميةٍ، ويتمُّ من خلالِها مناقشةُ كلِّ جوانبِ التعليمِ بدايةً من وضعِ المنهجِ وطريقةِ تدريسِه، واختيارِ المعلمِ والعملِ على تطويرِه من خلالِ دوراتٍ تدريبيةٍ مستمرةٍ، وأنْ لا ترهقَ هذه المناهجُ الأسرةَ من حيثُ الحالةُ الاقتصاديةُ، انتهاءً لاختيارِ أسلوبِ التقويمِ، وذلكَ للوقوفِ على حالةِ المتعلمِ ومدى استيعابِه للخبراتِ التعليميةِ وتطويرِ الأسلوبِ إنْ لزمَ الأمرُ ذلكَ.







