أدب وثقافةمقالات

عندما أصبح يوسف بن أيوب صلاح الدين.

عندما أصبح يوسف بن أيوب صلاح الدين.

 

بقلم / محمد مصطفى كامل

أحيانًا لا يكون موت الحاكم نهاية مرحلة، بل يكون اللحظة التي يبدأ فيها الجميع بالكشف عن نواياهم.

حين مات نور الدين زنكي سنة 569هـ/1174م، لم يترك وراءه دولة هادئة تنتظر وريثًا يجلس على العرش.

ترك أرضًا واسعة، وأمراء يتربص بعضهم ببعض، ومدنًا لكل منها حساباتها، وعدوًا صليبيًا ينتظر لحظة الانقسام.

وفي الجنوب كانت مصر قد خرجت لتوها من قرنين من الحكم الفاطمي، وأصبحت تحت يد رجل لم يعد ذلك الوزير الشاب الذي جاء إلى القاهرة خلف عمه شيركوه.

كان يوسف بن أيوب قد تغير. والآن وجد نفسه أمام السؤال الأصعب:

هل يكتفي بما أصبح يملكه؟

أم يدخل إلى الفراغ الذي تركه نور الدين؟

وهنا، ونحن نقترب من واحدة من أخطر مراحل صعود صلاح الدين، استعنا بعدد من المصادر التاريخية والروايات التي تناولت تلك المرحلة، وفي مقدمتها ما حفظه المؤرخون المسلمون من أخبار الدولة الزنكية والأيوبية، ومن بينها الروضتين في أخبار الدولتين لأبي شامة، إلى جانب الدراسات التاريخية التي أعادت قراءة مرحلة الصراع بين صلاح الدين والزنكيين والصليبيين.

ولم يكن الرجوع إلى هذه المصادر من أجل أن نثقل الحكاية بالأسماء والتواريخ، وإنما من أجل أن نحاول أن نرى ما كان يحدث خلف الستار؛ أن نفصل بين ما صنعته الذاكرة اللاحقة حول صلاح الدين، وبين الرجل الذي كان يتحرك وسط صراع حقيقي، تتداخل فيه السياسة بالدين، والطموح بالشرعية، والحرب بالمفاوضات.

فالطريق إلى القدس لم يبدأ عند أسوارها. بل بدأ هنا،عند لحظة مات فيها نور الدين، وبدأ السؤال عن الرجل الذي سيرث مشروعه.

كان الطريق إلى دمشق يبدو مفتوحًا، لكن وراء دمشق كانت حلب. وخلف حلب كانت الموصل. وبينهما أمراء لا يريدون أن يرث رجل جاء من مصر دولة نور الدين.

أما الصليبيون، فكانوا ينتظرون اللحظة التي يقتتل فيها المسلمون فيما بينهم.

وهكذا بدأ صلاح الدين أخطر رحلة في حياته؛

رحلة لم يكن هدفها مدينة واحدة، ولا عرشًا واحدًا.

بل جمع مصر والشام في قوة واحدة.

لأن الرجل الذي سيقف يومًا أمام القدس لم يكن قد وصل إليها بعد.

كان عليه أولًا أن يبني الطريق إليها.

التاريخ من وراء الستار.

حين بدأ صلاح الدين يوحّد الشام

من دمشق إلى حلب، كيف تحولت الدولة الأيوبية من قوة مصرية إلى مشروع يغيّر خريطة الشرق

لم تكن المشكلة بعد وفاة نور الدين زنكي أن الشام أصبحت بلا حاكم.

المشكلة كانت أخطر من ذلك.

لقد أصبحت الشام بلا رجل يستطيع أن يجمعها.

فالرجل الذي أمضى سنوات طويلة في بناء جبهة إسلامية واحدة في مواجهة الصليبيين مات، وترك وراءه دولة واسعة، وأمراء أقوياء، ومدينة عظيمة مثل دمشق، وقلعة سياسية صلبة اسمها حلب، وطفلًا صغيرًا ورث الاسم قبل أن يرث القدرة على حماية ما ورثه.

وفي الجنوب كانت مصر.

مصر التي لم تعد فاطمية.

ومصر التي أصبحت تحت يد رجل اسمه يوسف بن أيوب.

ذلك الرجل الذي كان بالأمس وزيرًا في القاهرة، أصبح الآن يملك أغنى قاعدة مالية وعسكرية في المنطقة.

لكن السؤال لم يكن هل يستطيع صلاح الدين أن يحكم مصر؟

لقد أثبت ذلك بالفعل.

السؤال الحقيقي كان هل يستطيع أن يجعل مصر والشام جسدًا سياسيًا واحدًا؟

لأن الصليبيين لم يكونوا بحاجة إلى أن يهزموا المسلمين في معركة كبرى.

كان يكفيهم أن يظل العالم الإسلامي منقسمًا.

وهنا بالضبط تبدأ واحدة من أكثر مراحل صعود صلاح الدين تعقيدًا.

موت نور الدين، وولادة الفراغ

في سنة 569هـ/1174م مات نور الدين محمود زنكي.

وكان موته أخطر من مجرد وفاة سلطان.

فنور الدين لم يكن حاكم دمشق وحلب فحسب.

كان يمثل مشروعًا.

مشروعًا يقوم على جمع القوى الإسلامية في مواجهة الوجود الصليبي.

لكن المشروع الذي بناه الرجل لم يكن أقوى من الرجل نفسه.

عندما مات، كان وريثه الصالح إسماعيل لا يزال صغيرًا.

وفجأة بدأت الدولة التي بدت متماسكة في عهد نور الدين تكشف عن حقيقة أخرى،

الأمراء لم يكونوا جميعًا تابعين للدولة بقدر ما كانوا ينتظرون اللحظة التي يستطيع فيها كل واحد منهم أن يوسع سلطته.

وبدأت مراكز القوة تتوزع.

دمشق لها حساباتها.

وحلب لها حساباتها.

والموصل لها حساباتها.

والصليبيون يراقبون الجميع.

وفي وسط هذا المشهد ظهر رجل من الجنوب.

صلاح الدين.

وللمرة الأولى لم يعد وجوده في الشام مرتبطًا بوجود نور الدين.

فالرجل الذي كان قد دخل مصر تنفيذًا لمشروع غيره، أصبح الآن صاحب مشروعه الخاص.

وهنا بدأت المسافة بين الشرعية القديمة والقوة الجديدة.

لماذا ذهب صلاح الدين إلى دمشق؟

قد يبدو الأمر في ظاهره بسيطًا.

مات نور الدين.

فدخل صلاح الدين دمشق.

لكن التاريخ لا يتحرك بهذه البساطة.

كان صلاح الدين يستطيع أن يبقى في مصر.

مصر غنية.

ومصر آمنة نسبيًا بالنسبة إليه.

والاحتفاظ بها كان في حد ذاته إنجازًا هائلًا.

لكنه كان يعرف شيئًا أخطر.

من يملك مصر وحدها يستطيع أن يدافع عنها، لكنه لا يستطيع أن يغيّر ميزان القوى في الشام.

فالصليبيون كانوا يملكون ممالك وحصونًا تمتد في قلب المنطقة.

وبين مصر وهذه الممالك كانت هناك جغرافيا سياسية كاملة.

والشام هي الحلقة التي إذا ظلت مقسمة، بقيت مصر معزولة.

أما إذا اتصلت مصر بالشام تحت قيادة واحدة، فسيتغير المشهد كله.

ولهذا تحرك صلاح الدين شمالًا.

وفي أواخر سنة 1174م دخل دمشق دون معركة كبرى، وبدأ منها بناء المرحلة الجديدة من مشروعه.

لكن دخوله دمشق لم يكن نهاية المشكلة.

بل كان بدايتها.

دمشق لم تكن غنيمة، كانت مفتاحًا

لم تكن دمشق بالنسبة إلى صلاح الدين مجرد مدينة كبيرة.

كانت رمزًا.

هذه المدينة كانت عاصمة نور الدين.

ومن يسيطر عليها لا يحصل فقط على موقع استراتيجي، بل يقترب من وراثة الإرث السياسي للرجل الذي كان قد بدأ مشروع توحيد الشام.

لكن هنا ظهرت مشكلة خطيرة.

إذا قال صلاح الدين إنه جاء ليحمي دولة نور الدين، فلماذا يستولي على مدنها؟

وإذا قال إنه يريد توحيد المسلمين، فهل يقصد توحيدهم تحت راية نور الدين أم تحت رايته هو؟

كان عليه أن يتحرك بين هذه الأسئلة كلها.

ولهذا لم يبدأ صلاح الدين بإعلان نفسه عدوًا للزنكيين.

بل حاول أن يمنح تحركه غطاءً سياسيًا.

كان الصالح إسماعيل ما يزال موجودًا.

وكان صلاح الدين يستطيع أن يقول

أنا لا أهدم دولة نور الدين.

أنا أحاول أن أحميها من الذين يتصارعون عليها.

لكن خلف هذه اللغة السياسية كان هناك واقع جديد يتشكل.

صلاح الدين كان يبني سلطته.

حلب، المدينة التي قالت: لا

إذا كانت دمشق قد فتحت أبوابها لصلاح الدين، فإن حلب لم تفعل.

وهنا بدأ الصراع الحقيقي.

كانت حلب أكثر من مدينة.

كانت آخر حصن كبير للإرث الزنكي في شمال الشام.

وكان الصالح إسماعيل، ابن نور الدين، موجودًا فيها.

ومن حوله رجال يعرفون أن سقوط حلب يعني شيئًا أكبر من خسارة مدينة.

يعني نهاية احتمال بقاء الدولة الزنكية كقوة مستقلة.

ولهذا أغلقت حلب أبوابها.

وحاول صلاح الدين أن يفرض نفسه بالقوة.

وفي أواخر 1174 وبدايات 1175 تحرك نحوها، وسيطر في الطريق على مناطق مهمة مثل حماة وحمص، وحاصر حلب.

لكن المدينة لم تسقط.

ولم تكن مقاومة حلب عسكرية فقط.

لقد استخدم خصوم صلاح الدين كل ما يستطيعون لحشد القوى ضده.

حتى إنهم استعانوا بالصليبيين في مواجهة الرجل الذي كان يرفع راية مقاومة الصليبيين.

وهنا تظهر إحدى مفارقات التاريخ الكبرى.

حين يصبح الصراع على السلطة أقوى من الخلاف مع العدو الخارجي، قد يتحالف الخصم الداخلي مع عدو الأمس لإيقاف خصم جديد.

وهذا ما جعل طريق صلاح الدين إلى توحيد الشام أكثر تعقيدًا مما تصوره الروايات المختصرة.

صلاح الدين أمام معادلة مستحيلة

كان أمامه ثلاثة أعداء في الوقت نفسه.

خصوم من داخل البيت الإسلامي.

وصليبيون ينتظرون لحظة الانقسام.

ومشروع سياسي يحتاج إلى المال والجيش والشرعية.

ولهذا لم يكن أمامه أن ينتصر في كل مكان في الوقت نفسه.

كان عليه أن يختار.

وحين فشل حصار حلب، لم يعتبر ذلك نهاية مشروعه.

عاد إلى الجنوب.

وهنا وقع ما يمكن اعتباره أحد أهم التحولات في صعوده.

لم يكن صلاح الدين يريد أن يثبت أنه يستطيع حصار مدينة.

كان يريد أن يثبت أنه يستطيع كسر القوة التي تمنع توحيد الشام.

قرون حماة، المعركة التي ثبتت موقع صلاح الدين

في سنة 570هـ/1175م تحركت القوى الزنكية في مواجهة صلاح الدين.

وكانت حلب والموصل قد أدركتا أن الرجل القادم من مصر لم يعد مجرد أمير جنوبي يمكن تجاهله.

فإذا تركوه يتوسع، فقد يستيقظون بعد سنوات ليجدوا أن دمشق وحماة وحمص وبعلبك ومصر أصبحت كلها تحت سلطته.

واللحظة التي أرادوا فيها إيقافه جاءت عند حماة.

وفي معركة قرون حماة في أبريل 1175م، تمكن صلاح الدين من تحقيق انتصار مهم على قوات خصومه.

لكن أهمية المعركة لم تكن في عدد من سقطوا.

أهميتها كانت سياسية.

بعدها أصبح من الصعب التعامل مع صلاح الدين باعتباره مغامرًا جاء من مصر.

لقد أصبح قوة حقيقية.

والأهم أنه بدأ يحصل على اعتراف رسمي بسلطته في مصر ودمشق، مع تثبيت مكانته السياسية في مواجهة خصومه.

وهنا بدأت مرحلة جديدة.

لم يعد السؤال هل يستطيع صلاح الدين البقاء؟

بل،إلى أي مدى يستطيع أن يتوسع؟

لم يكن الطريق إلى الوحدة طريقًا مستقيمًا

وهنا يجب أن نتوقف.

لأن بعض الروايات اللاحقة جعلت طريق صلاح الدين يبدو وكأنه سلسلة متصلة من الانتصارات.

لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا.

صلاح الدين خسر معارك.

وعقد هدنًا.

وتراجع في أوقات.

وفاوض خصومه.

واستخدم السياسة حين كان السيف مكلفًا.

وكان يعرف أن الرجل الذي يريد أن يبني دولة لا يستطيع أن يخوض حربًا جديدة كل صباح.

فالدولة تحتاج إلى مال.

والجيش يحتاج إلى رواتب.

والمدن تحتاج إلى إدارة.

والأمراء يحتاجون إلى حسابات.

والحدود تحتاج إلى حاميات.

والصليبيون يحتاجون إلى مراقبة.

ولهذا كان صلاح الدين يبني شيئًا أكبر من جيش.

كان يبني قدرة على الاستمرار.

وهذه ربما كانت أهم صفاته السياسية.

حين اصطدم الحلم بالواقع

في سنة 1176م تجدد الصراع.

وانتصر صلاح الدين مرة أخرى على قوات خصومه في تل السلطان.

لكن الحرب لم تنتهِ.

وفي النهاية اتجه الطرفان إلى التسوية.

وهذا مهم جدًا لفهم شخصية صلاح الدين.

فالرجل الذي كان يريد توحيد الشام لم يكن يريد أن يحطم كل خصومه في لحظة واحدة.

أحيانًا كان يقبل بوجودهم مؤقتًا، طالما أنهم لا يستطيعون تهديد مركزه.

كان يعرف أن الوحدة الكاملة تحتاج إلى وقت.

وأن الضغط المستمر قد يصنع تحالفًا واسعًا ضده.

وهكذا بدأ يبني قوته طبقة فوق طبقة.

دمشق.

ثم المناطق الوسطى.

ثم الشمال.

ثم التفكير في حلب.

ثم الموصل.

وكانت كل خطوة تفتح أمامه سؤالًا جديدًا.

الصليبيون كانوا ينتظرون الخطأ

وفي الوقت الذي كان صلاح الدين يحارب لتوحيد المسلمين، كان الصليبيون يراقبون.

وهنا تظهر مفارقة أخرى.

صلاح الدين كان يعرف أن توحيد المسلمين هو الطريق إلى مواجهة الصليبيين.

لكن الصليبيين كانوا يعرفون أن أفضل وسيلة لمنع هذا التوحيد هي إجبار صلاح الدين على القتال قبل أن يكتمل مشروعه.

ولهذا لم تكن المواجهة بين الطرفين غائبة.

في سنة 1177م تعرض صلاح الدين لهزيمة قاسية أمام الصليبيين في معركة مونتجيسار.

وكانت هذه الهزيمة درسًا بالغ الأهمية.

فالجيش الكبير لا يعني دائمًا النصر.

والقوة التي لم تكتمل قيادتها وانضباطها لا تستطيع أن تفرض إرادتها بمجرد كثرة العدد.

صلاح الدين لم يتوقف.

بل أعاد تنظيم قوته.

ثم جاءت سنوات أخرى من الاشتباكات.

وفي 1179م حقق انتصارات مهمة على الصليبيين، وأخذت موازين القوة تتحرك تدريجيًا لمصلحته.

وهكذا كان الرجل يخوض حربين في الوقت نفسه:

حربًا لتوحيد المسلمين.

وحربًا لمنع الصليبيين من استغلال الانقسام.

لكن حلب بقيت هناك

كانت حلب مثل الباب المغلق.

كلما توسع صلاح الدين، ظل الباب في الشمال.

وكان خلفه إرث نور الدين.

ولهذا لم تكن حلب بالنسبة إليه مجرد هدف عسكري.

كانت السؤال السياسي الأكبر،

من يرث مشروع نور الدين؟

صلاح الدين أم البيت الزنكي؟

وهذا السؤال ظل قائمًا سنوات.

حتى مات الصالح إسماعيل سنة 1181م.

وهنا سقط آخر رمز كبير يمكن أن تتجمع حوله المعارضة باسم ابن نور الدين.

لكن حلب لم تسقط فورًا.

فقد بقيت تحت حكم القوى الزنكية.

وكان على صلاح الدين أن ينتظر اللحظة المناسبة.

1183 حين سقطت حلب

في سنة 583هـ/1183م وصل صلاح الدين إلى اللحظة التي انتظرها سنوات.

تحرك نحو حلب.

وهذه المرة لم تكن المدينة في الوضع الذي كانت عليه قبل سنوات.

تغيرت موازين القوى.

وتغيرت الظروف.

وأصبح استمرار الحكم الزنكي في حلب أكثر صعوبة.

وفي النهاية تم التوصل إلى تسوية سياسية، خرجت بموجبها حلب من يد الزنكيين، وانتقلت إلى صلاح الدين، مقابل ترتيب إقليمي آخر شمل سنجار ومناطق أخرى.

وفي يونيو 1183 دخل صلاح الدين حلب.

وهنا لم تسقط مدينة فقط.

سقط آخر جدار كبير يفصل مصر عن شمال الشام.

أصبحت القاهرة ودمشق وحلب ضمن مجال سياسي واحد.

ومن مصر إلى حدود الأناضول بدأ يتشكل كيان واسع لم يعد من السهل تجاهله.

لكن بقيت عقدة أخرى.

الموصل.

الموصل، آخر باب.

إذا كانت حلب تمثل قلب الشام، فإن الموصل تمثل شيئًا آخر.

تمثل أصل القوة الزنكية في الجزيرة.

ومن يترك الموصل خارج مشروعه، لا يستطيع أن يقول إن الوحدة قد اكتملت.

لكن صلاح الدين لم يكن يريد أن يفتح حربًا لا تنتهي.

كان يعرف أن السيطرة المباشرة على كل مدينة ليست دائمًا ضرورية.

أحيانًا يكفي أن يعترف الأمير بسلطتك، ويصبح جزءًا من النظام الجديد، ويقدم ما يلزم من الدعم.

وهكذا تحرك صلاح الدين بين الضغط العسكري والتفاوض السياسي.

وفي سنة 1186م اعترف صاحب الموصل بسلطته، لتكتمل تقريبًا الحلقة التي بدأها صلاح الدين منذ دخوله دمشق.

وهنا أصبح المشهد مختلفًا تمامًا.

ماذا صنع صلاح الدين في الحقيقة؟

لو نظرنا إلى الأحداث من بعيد، سنجد شيئًا مدهشًا.

صلاح الدين لم يبدأ مشروعه من دمشق.

بل بدأ من القاهرة.

ولم يكن يملك الشام.

ثم حصل على دمشق.

ثم حماة وحمص ومناطق أخرى.

ثم حارب القوى الزنكية.

ثم واجه الصليبيين.

ثم انتظر سقوط حلب.

ثم ضغط على الموصل.

وخلال هذه السنوات لم يكن يبني حدودًا فقط.

كان يبني فكرة دولة.

وهنا تكمن أهمية هذه المرحلة.

فصلاح الدين لم يكن يحاول أن يصبح أكبر أمير في المنطقة.

كان يحاول أن يحول مجموعة من القوى المتفرقة إلى جبهة تستطيع أن تعمل تحت قيادة واحدة.

وهذا فرق هائل.

لكن الوحدة لم تكن تعني السلام

وهذه نقطة لا بد من فهمها.

حين نقول إن صلاح الدين وحّد المسلمين، لا يعني ذلك أن الجميع أحبوه أو سلّموا له دون مقاومة.

الوحدة السياسية في التاريخ لا تولد عادة من اتفاق الجميع.

بل كثيرًا ما تولد من تراجع قدرة الخصوم على المقاومة، أو من اقتناعهم بأن التعامل مع القوة الجديدة أقل كلفة من استمرار الصراع.

ولهذا كانت دولة صلاح الدين في بدايتها مشروعًا سياسيًا شديد الحساسية.

الأمراء يريدون الحفاظ على نفوذهم.

أفراد أسرته يريدون نصيبهم.

الجيش يحتاج إلى توزيع المكاسب.

المدن تريد الأمن.

والصليبيون ينتظرون أي شرخ.

وكان على صلاح الدين أن يحافظ على كل هذه الخيوط في يده.

وهذا يفسر لماذا لم تكن أعظم معاركه دائمًا تلك التي حملت أسماء شهيرة.

من يوسف بن أيوب إلى صلاح الدين

وهنا نصل إلى السؤال الذي بدأنا منه.

من هو يوسف بن أيوب في ذاكرة التاريخ؟

هل هو الرجل الذي حرر القدس؟

نعم.

لكن هذه الإجابة وحدها لا تكفي.

لأن الرجل الذي وصل إلى القدس سنة 1187م لم يولد في اليوم الذي وقعت فيه حطين.

بل تشكل خلال سنوات طويلة من الصراع السياسي.

في القاهرة تعلم كيف يحكم.

وفي دمشق تعلم كيف يوازن بين القوة والشرعية.

وفي حماة تعلم كيف يهزم خصومه.

وفي حلب تعلم أن المدن لا تسقط بالقوة وحدها.

وفي مواجهة الصليبيين تعلم أن الدولة التي لا تملك جبهة داخلية متماسكة لا تستطيع خوض حرب طويلة.

وفي الموصل تعلم أن الاعتراف السياسي قد يكون أحيانًا أهم من الاحتلال المباشر.

وهكذا، قبل أن يصبح صلاح الدين بطل حطين، كان قد أصبح صانع القوة التي ستخوض حطين.

وهنا تكمن الحقيقة التي أخفتها الأسطورة

نحن نعرف صلاح الدين من النهاية.

نعرفه وهو أمام القدس.

نعرفه بعد حطين.

نعرفه في الصورة التي صنعتها الذاكرة.

لكن التاريخ لا يبدأ من النهاية.

التاريخ يبدأ من اللحظة التي كان فيها الرجل مجهولًا، محاصرًا بين أعداء كثيرين، ويبحث عن مساحة يتحرك فيها.

ولهذا فإن أعظم ما فعله صلاح الدين لم يكن أنه انتصر في معركة.

بل أنه جعل المعركة الكبرى ممكنة أصلًا.

فلو بقيت مصر منفصلة عن الشام،

ولو بقيت دمشق وحدها،

ولو ظلت حلب زنكية مستقلة،

ولو بقيت الموصل خارج الحساب،

ولو استمر الأمراء في القتال فيما بينهم،

فهل كانت حطين ستحدث بالصورة التي نعرفها؟

ربما لا.

وهنا يظهر المعنى الحقيقي لتوحيد الشام.

لم يكن الطريق إلى القدس طريقًا جغرافيًا.

كان طريقًا سياسيًا.

لكن شيئًا أخطر كان يحدث

بينما كان صلاح الدين يجمع المدن والقوى تحت مظلته، كانت الدولة الصليبية نفسها تتغير.

جيل قديم من القادة كان يرحل.

وجيل جديد أكثر اندفاعًا كان يظهر.

وفي الداخل الصليبي بدأت تظهر صراعات أخرى.

وكان هناك رجل سيصبح لاحقًا أحد أخطر أسباب الانفجار،

أرناط، صاحب الكرك.

رجل لم يكن يرى أن الهدن والمواثيق يجب أن تمنعه من المغامرة.

وكانت له أطماع في طرق التجارة والحج.

ومع الوقت ستصل أفعاله إلى نقطة لا يستطيع صلاح الدين تجاهلها.

لكن صلاح الدين في تلك اللحظة لم يكن مستعدًا بعد للمعركة النهائية.

كان قد وحّد مصر والشام تقريبًا.

وكان عليه أن يثبت أن هذه الوحدة ليست مجرد خريطة.

بل قوة تستطيع أن تتحرك كجسد واحد.

وكان الصليبيون بدورهم يختبرون حدود هذه القوة.

لقد اكتملت الخريطة، وبقي الاختبار

بحلول 1186م أصبح صلاح الدين صاحب نفوذ واسع يمتد من مصر عبر دمشق وحلب إلى مناطق الجزيرة، مع اعتراف الموصل بسلطانه.

وهنا، للمرة الأولى، أصبح العالم الصليبي أمام خصم مختلف.

ليس أميرًا مصريًا.

ولا حاكم دمشق.

ولا قائدًا يملك مدينة واحدة.

بل رجلًا يملك منظومة سياسية وعسكرية واسعة.

ومع ذلك لم تكن الحرب الكبرى قد بدأت بعد.

لأن امتلاك القوة شيء.

ومعرفة متى تستخدمها شيء آخر.

وكان على صلاح الدين أن ينتظر اللحظة التي تتحول فيها القوة إلى ضرورة.

وكانت تلك اللحظة تقترب.

اقتربت أكثر مما يتخيل الجميع.

والسؤال القادم أخطر!!!

ماذا يحدث عندما تصبح الدولة التي بناها صلاح الدين أكبر من أن تتجاهلها الممالك الصليبية؟

وماذا يحدث عندما يكون على حدود هذه الدولة رجل لا يعترف بالهدنة، ولا يخشى استفزاز صلاح الدين؟

وكيف تحولت الغارات والمناوشات والمواثيق المنقوضة إلى شرارة أشعلت أكبر مواجهة بين الطرفين؟

ولماذا لم تكن حطين معركة بدأت في ذلك الصباح من سنة 583هـ؟

بل كانت نتيجة سنوات طويلة من الصراع، والتوحيد، والانتظار، والأخطاء، والقرارات التي اتخذها رجال لم يكونوا يعرفون أنهم يمشون نحو معركة ستغير وجه المنطقة؟

في المقال القادم!!!!

حين اقتربت حطين

أرناط يشعل النار، وصلاح الدين ينتظر اللحظة التي أصبح فيها الصدام حتميًا

زر الذهاب إلى الأعلى