الدين و الحياةمقالات

الجريمة ليست صدفة بل نتيجة!.. بقلم: جمال القاضي

 

الجريمة ليست صدفة بل نتيجة!

 

بقلم: جمال القاضي

كلما فتحت صحيفةً، أو تصفحت موقعًا إخباريًّا، أو تابعت نشرةَ أخبارٍ، وجدتَ نفسك أمام خبرٍ جديدٍ عن جريمةٍ تهزُّ الضميرَ الإنسانيَّ وتُثيرُ القلقَ في المجتمع. جرائمُ اغتصابٍ، وقتلٍ، وخطفٍ، وتحريضٍ على العنف، واعتداءاتٌ على الآباءِ والأمهاتِ، وسلوكياتٌ عدوانيةٌ متزايدةٌ بين بعضِ الشبابِ والأطفالِ، فضلًا عن جرائمِ الغشِّ التجاريِّ وترويجِ المخدراتِ والإفسادِ الأخلاقيِّ بأشكالٍ مختلفةٍ.

وما يدعو إلى القلقِ حقًّا أن هذه الجرائمَ لم تَعُدْ حوادثَ فرديةً أو استثنائيةً، بل أصبحت ظواهرَ تتكررُ بصورةٍ تكادُ تكونُ يوميةً، حتى بات المواطنُ يشعرُ بأن دائرةَ الخطرِ تضيقُ من حولِه، وأن أحدًا لم يَعُدْ بمنأًى عن الوقوعِ ضحيةً لجريمةٍ من الجرائمِ التي نسمعُ عنها صباحَ مساءَ.

السؤالُ الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: ما الجريمةُ الجديدةُ التي وقعت؟ بل: لماذا تتزايدُ الجرائمُ بهذا الشكلِ المخيف؟ وما الأسبابُ الحقيقيةُ التي تدفعُ بعضَ الأفرادِ إلى الانحرافِ وتجاوزِ حدودِ القانونِ والقيمِ الإنسانيةِ؟

في تقديري، فإن كثيرًا من النقاشاتِ الدائرةِ حول الجريمةِ تنشغلُ بالنتائجِ وتُهملُ الأسبابَ. فالجريمةُ ليست حدثًا يولدُ فجأةً، وإنما هي ثمرةُ ظروفٍ وعواملَ تتراكمُ حتى تنفجرَ في صورةِ سلوكٍ إجراميٍّ يهددُ أمنَ المجتمعِ واستقرارَه.

ومن بين عشراتِ الأسبابِ والعواملِ، يبرزُ عاملانِ رئيسانِ أراهما الأكثرَ تأثيرًا في صناعةِ البيئةِ المناسبةِ للجريمةِ وانتشارِها.

أولُهما: المخدراتُ.

فلا يكادُ يمرُّ يومٌ دون أن نسمعَ عن جريمةٍ كان المخدرُ حاضرًا فيها، إمَّا سببًا مباشرًا أو عاملًا مساعدًا. فالمخدراتُ لا تُغيِّبُ العقلَ فحسب، بل تُدمِّرُ منظومةَ القيمِ لدى الإنسانِ، وتُضعفُ قدرتَه على التمييزِ بين الصوابِ والخطأِ، وتدفعُه أحيانًا إلى ارتكابِ أفعالٍ ما كان ليفكرَ فيها وهو في كاملِ وعيِه.

إنَّ تاجرَ المخدراتِ لا يبيعُ مادةً محرمةً فقط، بل يبيعُ مستقبلَ شابٍّ، ويُهدِّدُ استقرارَ أسرةٍ، ويزرعُ مشروعَ جريمةٍ جديدةٍ في قلبِ المجتمعِ. ولذلك فإن مواجهةَ هذه الآفةِ يجبُ أن تكونَ أولويةً وطنيةً لا تقبلُ التهاونَ، من خلالِ تطبيقِ القانونِ بحزمٍ، وتشديدِ الرقابةِ، وتوسيعِ برامجِ العلاجِ والتوعيةِ والوقايةِ.

أما العاملُ الثاني، فهو التدهورُ الاقتصاديُّ وما يترتبُ عليه من فقرٍ وبطالةٍ وشعورٍ بالحرمانِ وانسدادِ الأفقِ أمامَ بعضِ فئاتِ المجتمعِ.

صحيحٌ أن الفقرَ لا يصنعُ مجرمًا بالضرورةِ، وأن كثيرًا من الفقراءِ شرفاءُ يحافظون على قيمِهم وأخلاقِهم رغم صعوبةِ الظروفِ، لكنَّ تجاهلَ أثرِ الضغوطِ الاقتصاديةِ في زيادةِ معدلاتِ الجريمةِ يُعدُّ إنكارًا للواقعِ. فعندما يفقدُ الإنسانُ الأملَ في تحسينِ حياتِه، ويشعرُ بأن أبوابَ الفرصِ أُغلقت في وجهِه، يصبحُ أكثرَ عرضةً للانجرافِ خلفَ السلوكياتِ الخاطئةِ والطرقِ غيرِ المشروعةِ.

ومن هنا فإن مكافحةَ الجريمةِ لا تبدأُ فقط من أقسامِ الشرطةِ أو ساحاتِ المحاكمِ، بل تبدأُ أيضًا من توفيرِ فرصِ العملِ، وتحسينِ مستوياتِ المعيشةِ، وترسيخِ العدالةِ الاجتماعيةِ، ومنحِ الشبابِ الأملَ في مستقبلٍ أفضلَ.

ومع ذلك، فإن تحميلَ المسؤوليةِ للمخدراتِ أو للفقرِ وحدَهما لا يكفي. فهناك دورٌ لا غنى عنه للأسرةِ التي تُربي، وللمدرسةِ التي تُوجِّه، وللإعلامِ الذي يُشكِّلُ الوعيَ، وللمؤسساتِ الدينيةِ التي تُعزِّزُ القيمَ والأخلاقَ. فالمجتمعُ الذي تتكاملُ فيه هذه المؤسساتُ يكونُ أكثرَ قدرةً على حمايةِ أبنائِه من الانحرافِ والجريمةِ.

إنَّ أخطرَ ما يمكنُ أن نفعله هو أن نعتادَ مشاهدَ الجريمةِ وأن نتعاملَ معها باعتبارِها أمرًا طبيعيًّا أو قدرًا لا مفرَّ منه. فكلُّ جريمةٍ تقعُ هي جرسُ إنذارٍ يُحذِّرُنا من خللٍ يحتاجُ إلى معالجةٍ، وكلُّ ضحيةٍ تسقطُ هي رسالةٌ تدعونا إلى البحثِ عن الأسبابِ قبل الاكتفاءِ بإدانةِ النتائجِ.

إنَّ بناءَ مجتمعٍ آمنٍ لا يتحققُ بالعقوباتِ وحدَها، بل بتحصينِ الإنسانِ من الداخلِ، وحمايةِ الأسرةِ، وتجفيفِ منابعِ المخدراتِ، وتحسينِ الظروفِ الاقتصاديةِ، وترسيخِ قيمِ المسؤوليةِ والاحترامِ والانتماءِ.

فالجريمةُ ليست صدفةً، وليست قدرًا محتومًا، وإنما نتيجةٌ لأسبابٍ واضحةٍ، ومتى امتلكنا الشجاعةَ لمواجهةِ هذه الأسبابِ بصدقٍ وإرادةٍ حقيقيةٍ، استطعنا أن نضعَ أقدامَنا على الطريقِ الصحيحِ نحو مجتمعٍ أكثرَ أمنًا واستقرارًا وإنسانيةً.

 

زر الذهاب إلى الأعلى