مقالاتمنوعات

الحقيقة التي لا يحب البعض سماعها:. بقلم / محمد مصطفى كامل

مصر… حلم السقوط الذي حطّمته أكتوبر

الحقيقة التي لا يحب البعض سماعها

مصر… حلم السقوط الذي حطّمته أكتوبر

 

بقلم / محمد مصطفى كامل

منذ فجر الحضارة، تتغير الإمبراطوريات وتسقط الجيوش وتتبدل الخرائط، لكن مصر ظلت حاضرة في معادلات القوة، وكان السادس من أكتوبر عام ١٩٧٣ أحد الأيام التي أعادت كتابة حسابات المنطقة.

في كل عصر تقريبًا، يظهر من يراهن على سقوط مصر.

يتغير اللاعبون، وتتبدل الإمبراطوريات، وتتغير الأعلام والخرائط، لكن الرهان يبقى هو نفسه:

متى تسقط مصر؟

الغريب أن التاريخ سمع هذا السؤال آلاف المرات، لكنه لا يقدم إجابة واحدة تصلح لتكون نهاية حكاية هذا البلد؛ فكم من قوة اعتقدت أنها أمسكت بمفاتيح المنطقة، وكم من جيش ظن أن تفوقه العسكري سيبقى أبديًا، ثم اكتشف أن التاريخ لا يمنح أحدًا ضمانة دائمة للبقاء في القمة.

منذ فجر الحضارة، كانت مصر أكثر من مجرد مساحة جغرافية على ضفاف النيل. كانت مركزًا حضاريًا، وممرًا استراتيجيًا، وثقلًا سياسيًا وعسكريًا يؤثر في محيطه، وتزداد أهميتها كلما اشتد الصراع على الشرق الأوسط.

ولهذا لم تكن مصر يومًا بعيدة عن أطماع القوى الكبرى. فمن يسيطر عليها يستطيع التأثير في طرق التجارة وموازين القوة، ومن ينجح في تحجيم دورها يفتح لنفسه أبوابًا واسعة في المنطقة.

بعضهم حاول احتلالها، وبعضهم سعى إلى إضعافها، وبعضهم راهن على أن أزماتها الداخلية أو هزائمها العسكرية ستجعلها عاجزة عن استعادة مكانتها.

لكن المشكلة التي واجهت كثيرًا من هذه الحسابات أن مصر لا يمكن اختزالها في أرقام السلاح، أو حجم الجيوش، أو نتائج معركة واحدة.

فالدول قد تمرض، وقد تخسر معارك، وقد تتراجع قوتها، لكن السؤال الأهم يظل: هل تستطيع تحويل الهزيمة إلى درس، والضعف إلى دافع، والخسارة إلى بداية جديدة؟

كان هذا السؤال هو الاختبار الحقيقي لمصر بعد يونيو ١٩٦٧.

يونيو… حين اعتقد البعض أن الحكاية انتهت

في الخامس من يونيو عام ١٩٦٧، تعرضت مصر لهزيمة عسكرية قاسية، واحتلت إسرائيل شبه جزيرة سيناء، وتغيرت موازين القوة في المنطقة. ولم تكن الخسارة مجرد تراجع عسكري؛ فقد تركت آثارًا عميقة في الوعي المصري والعربي، وفتحت الباب أمام تصورات اعتبرت أن التفوق الإسرائيلي أصبح حقيقة يصعب تغييرها.

كانت الصورة شديدة القسوة.

أرض محتلة، وجيش يعيد تنظيم صفوفه، ودولة تواجه آثار الهزيمة، وخصم يتعامل مع ما حققه باعتباره ضمانة لمستقبله.

في تلك اللحظة، لم يكن التحدي المصري مقتصرًا على كيفية استعادة سيناء، بل امتد إلى استعادة الثقة في قدرة الجيش والدولة على تغيير الواقع الذي فرضته الحرب.

وهنا بدأ فصل آخر من الحكاية.

لم تستعد مصر أرضها بمجرد رفض الهزيمة، ولم يكن الغضب وحده كافيًا لتغيير موازين القوة. كان المطلوب إعادة بناء القوات المسلحة، وتطوير التدريب والتسليح، وإعادة تنظيم القيادة، ودراسة أسباب ما حدث، والاستعداد لمعركة لا تحتمل الارتجال.

وجاءت حرب الاستنزاف لتشكل مرحلة مهمة في هذا الطريق؛ إذ شهدت الجبهة المصرية عمليات عسكرية متواصلة، واختبارات لقدرات القوات، ومحاولات لإرهاق العدو وتهيئة الظروف لاستعادة المبادرة.

لم تكن السنوات الفاصلة بين يونيو ١٩٦٧ وأكتوبر ١٩٧٣ سنوات انتظار، بل كانت سنوات إعداد شاق، حملت تضحيات الجنود والضباط، وجهود المهندسين والخبراء، وعمل مؤسسات الدولة في ظروف اقتصادية وسياسية صعبة.

كان الهدف أكبر من عبور قناة.

كان الهدف أن تثبت مصر أن الهزيمة، مهما بلغت قسوتها، ليست حكمًا نهائيًا على مستقبل الدول.

السادس من أكتوبر… حين تغيرت الحسابات

في ظهر يوم السبت، السادس من أكتوبر عام ١٩٧٣، بدأت القوات المصرية عبور قناة السويس، بالتزامن مع الهجوم السوري على الجبهة الشمالية ضد القوات الإسرائيلية في الجولان.

لم تكن تلك مجرد بداية معركة، بل كانت لحظة مواجهة بين خطتين: خطة اعتمدت على قوة التحصينات والتفوق العسكري، وخطة مصرية سعت إلى استغلال إمكاناتها بكفاءة، وتحويل نقاط القوة الإسرائيلية إلى تحديات يمكن تجاوزها.

كان خط بارليف قد اكتسب شهرة واسعة بوصفه منظومة دفاعية قوية على الضفة الشرقية للقناة، مدعومة بتحصينات ومواقع عسكرية وساتر ترابي مرتفع. لكن قيمته الحقيقية كانت تتوقف على قدرة المدافعين على الصمود أمام هجوم منظم، وعلى قدرة المهاجمين على ابتكار وسيلة عملية لاختراقه.

وهنا ظهرت أهمية التخطيط الهندسي والعسكري.

استخدم المهندسون المصريون مضخات المياه وخراطيمها لفتح ثغرات في الساتر الترابي، وهي وسيلة عملية ساعدت على تجاوز عقبة هندسية كبيرة في وقت قصير نسبيًا. وتقدمت القوات المصرية عبر القناة، وبدأت في فتح الممرات وإقامة الكباري، وتدفقت القوات إلى الضفة الشرقية.

لم يكن العبور عملًا منفصلًا عن بقية عناصر المعركة؛ فقد احتاج إلى تنسيق بين المشاة والمدفعية والدفاع الجوي والمهندسين والقوات المدرعة، وإلى استعداد لمواجهة الهجمات المضادة.

ومع تقدم القوات، سقطت مواقع إسرائيلية، وأُقيمت رؤوس كباري مصرية شرق القناة، وبدأت الصورة التي تشكلت بعد عام ١٩٦٧ تتغير.

لقد أثبتت الساعات الأولى أن التحصينات، مهما بلغت قوتها، لا تجعل أصحابها بمنأى عن الهزيمة، وأن السلاح المتطور لا يضمن الانتصار وحده.

فالحرب ليست مسألة أرقام فقط؛ إنها علم وتخطيط وقيادة وتدريب، وهي أيضًا قدرة على فهم الخصم، ومعرفة حدود القوة المتاحة، واختيار اللحظة والطريقة المناسبتين لاستخدامها.

وفي السادس من أكتوبر، امتلكت القوات المصرية خطة لعبور المانع المائي، واستفادت من دروس السنوات السابقة، وحققت إنجازًا عسكريًا كبيرًا بكسر خط بارليف وإقامة مواقعها على الضفة الشرقية.

في ذلك اليوم، لم تستعد مصر أرضها كاملة، لكنها استعادت المبادرة، وكسرت صورة العجز التي حاولت هزيمة يونيو أن تفرضها على مستقبلها.

وهذا هو الفارق بين بداية النصر واكتمال نتائجه.

النصر لا يعني أن الطريق أصبح بلا عقبات

ولأن التاريخ لا يُكتب بالأمنيات، فإن الإنصاف يقتضي ألا نروي حرب أكتوبر وكأنها معركة خلت من المخاطر أو أن نتائجها كانت محسومة منذ اللحظة الأولى.

فقد واجهت القوات المصرية هجمات مضادة عنيفة، وشهدت الحرب تحولات معقدة على الجبهتين المصرية والسورية. كما تمكنت القوات الإسرائيلية خلال معارك الثغرة في منطقة الدفرسوار من عبور غرب القناة، وأصبح الموقف العسكري أكثر تعقيدًا، خصوصًا مع تطور العمليات وتهديد بعض خطوط الإمداد.

لكن هذه الوقائع لا تلغي ما حققته القوات المصرية في بداية الحرب، ولا تمحو حقيقة عبور القناة وتحطيم خط بارليف وإقامة رؤوس الكباري شرقها. وفي المقابل، فإن الاعتراف بالتعقيدات لا ينتقص من قيمة الإنجاز، بل يجعل قراءتنا للتاريخ أكثر نضجًا وصدقًا.

فالحروب لا تُقاس بلقطة واحدة، ولا تُفهم من خلال رواية دعائية تتجاهل ما لا يناسبها. وإنما تُقرأ في سياقها العسكري والسياسي، من أهدافها ونتائجها إلى ما ترتب عليها من تحولات.

لقد كانت حرب أكتوبر نقطة تحول مهمة؛ إذ أثبتت أن ميزان القوة ليس ثابتًا، وأن التفوق الذي بدا مطلقًا بعد يونيو ١٩٦٧ يمكن تحديه عندما تتوافر الإرادة والإعداد والتخطيط.

وهنا تكمن إحدى أهم الحقائق التي ينبغي ألا تغيب عن الذاكرة: لم يكن الإنجاز المصري أن الحرب انتهت من دون خسائر، بل أن مصر استطاعت أن تدخلها بعد هزيمة قاسية، وأن تحقق أهدافًا عسكرية مهمة، وأن تفرض واقعًا جديدًا على حسابات الصراع.

أكتوبر لم تكن معركة مصر وحدها

لم تتحرك مصر في حرب أكتوبر بمعزل عن محيطها العربي.

فقد خاضت الحرب بالتنسيق مع سوريا، وشاركت دول عربية في تقديم أشكال مختلفة من الدعم العسكري والاقتصادي، كما اتخذت دول عربية منتجة للنفط إجراءات كان لها أثر في الضغط على الدول الداعمة لإسرائيل، وفي توسيع نطاق التأثير السياسي والاقتصادي للحرب.

وهكذا تجاوزت المواجهة حدود الجبهة العسكرية، وأصبحت جزءًا من صراع إقليمي ودولي تداخلت فيه الحسابات العسكرية مع المصالح السياسية والاقتصادية.

ولم يكن الدعم العربي بديلًا عن دور الجندي المصري، كما لم يكن الجهد المصري منفصلًا عن سياقه العربي. لقد كشفت الحرب أهمية التنسيق، وأثبتت أن القضايا الكبرى لا تُدار بالسلاح وحده، بل تحتاج كذلك إلى تحالفات، وقرارات سياسية، وقدرة على استخدام أدوات القوة المختلفة.

وفي المقابل، كشفت الحرب حدود القوة العسكرية وحدها؛ فالمعركة، مهما حققت من نتائج، لا تنهي بالضرورة الصراع السياسي، ولا تحسم كل القضايا دفعة واحدة.

ومن هنا انتقلت مصر بعد وقف إطلاق النار إلى مرحلة جديدة من المفاوضات، وصولًا إلى اتفاقات فصل القوات، ثم معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام ١٩٧٩.

واستعادت مصر سيادتها على سيناء بعد انسحاب القوات الإسرائيلية عام ١٩٨٢، بينما استمر النزاع حول طابا، إلى أن حُسم بالتحكيم الدولي، وعادت طابا إلى السيادة المصرية عام ١٩٨٩.

وهكذا امتد طريق استعادة الأرض إلى ما بعد توقف المدافع بسنوات.

فالعبور كان إنجازًا عسكريًا، واستعادة سيناء كانت مسارًا طويلًا تداخل فيه الميدان مع السياسة والتفاوض والقانون الدولي.

وهذه من أهم الدروس التي يقدمها أكتوبر: أن قوة الدولة لا تظهر في قدرتها على القتال فقط، بل في قدرتها على تحويل ما تحققه إلى نتائج تحمي مصالحها وتخدم مستقبلها.

لماذا يراهن البعض على سقوط مصر؟

إذا عدنا إلى السؤال الذي بدأنا به، سنجد أن أهمية مصر هي نفسها أحد أسباب تعرضها المستمر للصراعات والأطماع.

فموقعها الجغرافي، وقناة السويس، وارتباطها بقضايا العالم العربي، وصلتها بين إفريقيا وآسيا، كلها عوامل تجعل استقرارها مؤثرًا في حسابات المنطقة.

لكن هذه الأهمية لا تعني أن مصر لا تعرف الضعف، أو أن تاريخها يخلو من الهزائم والأزمات. فالدول لا تعيش خارج قوانين التاريخ، ولا تضمن لها حضارتها القديمة حصانة دائمة من الأخطاء أو التراجع.

إنما الفارق الحقيقي يظهر في قدرتها على مواجهة أزماتها، وإعادة بناء مؤسساتها، وحماية وحدتها، والاستفادة من دروس الماضي.

وهذا ما يجعل حرب أكتوبر أكثر من ذكرى عسكرية.

إنها نموذج تاريخي على أن الهزيمة ليست نهاية حتمية، وأن إعادة بناء القوة تحتاج إلى سنوات من العمل، وأن الشعارات لا تصنع انتصارًا من دون استعداد، وأن الثقة بالنفس لا تغني عن العلم والتخطيط والمراجعة.

لقد تعلمت مصر من هزيمة يونيو أن مواجهة الواقع تبدأ بالاعتراف به، وأن تجاوز الخسارة لا يتحقق بمجرد إنكارها، بل بفهم أسبابها والعمل على علاجها.

وفي المقابل، أظهرت حرب أكتوبر أن الدولة التي تستعد وتتعلم تستطيع أن تغير جانبًا مهمًا من معادلات القوة، حتى لو كان خصمها يمتلك تفوقًا في بعض جوانب السلاح والتكنولوجيا.

ولذلك فإن القيمة الأعمق لأكتوبر لا تكمن في استدعاء الماضي وحده، بل في فهم الطريقة التي صُنع بها الإنجاز.

فالأوطان لا يحميها تاريخها القديم بمفرده، ولا تستطيع الانتصارات السابقة أن تعفي الأجيال الجديدة من مسؤولياتها. إنما تحميها المعرفة، والعمل، والعدالة، والتماسك الوطني، وقوة المؤسسات، والقدرة على تطوير الاقتصاد والعلم والتعليم، والاستعداد لمواجهة تحديات الحاضر.

إن من يراهن على سقوط مصر قد يبالغ في تقدير أزماتها، وقد يتجاهل قدرتها على التغيير، لكن الرد الحقيقي على هذه الرهانات لا يكون بالاكتفاء بالفخر بالماضي، وإنما ببناء حاضر قوي يليق بذلك الماضي.

مصر… حين يرفض التاريخ أن تكون الهزيمة هي الكلمة الأخيرة

هناك دول تخرج من المعارك منتصرة، وهناك دول تتعلم من المعارك التي هُزمت فيها، وهناك دول تستطيع أن تجمع بين الأمرين: أن تواجه نتائج الهزيمة، وأن تعمل لاستعادة قوتها، وأن تحوّل التجربة إلى نقطة انطلاق جديدة.

وكانت حرب أكتوبر إحدى أهم اللحظات التي تجلت فيها هذه القدرة في التاريخ المصري الحديث.

ففي يونيو ١٩٦٧، فقدت مصر أرضًا وتعرضت لهزيمة قاسية. وبعد ست سنوات، عبر جيشها قناة السويس، واخترق خط بارليف، وأقام رؤوس كباري على الضفة الشرقية، وغيّر واقعًا عسكريًا وسياسيًا كان كثيرون يعتقدون أنه سيظل ثابتًا.

لم تكن هذه العودة معجزة بلا أسباب، بل نتيجة عمل وتضحيات وتخطيط واستعداد، ودماء رجال آمنوا بأن الدفاع عن الوطن مسؤولية لا تنتهي عند حدود الخوف من الهزيمة.

ولهذا فإن الاحتفال بأكتوبر لا ينبغي أن يقتصر على رفع الأعلام وترديد الأناشيد واستعادة صور العبور، على أهمية كل ذلك في الذاكرة الوطنية، بل يجب أن يكون مناسبة للتأمل في معنى النصر، وفي الثمن الذي دُفع من أجله، وفي المسؤولية التي تفرضها تضحيات الشهداء على الأحياء.

فالشهداء لم يتركوا لنا ذكرى نستريح إليها، بل أمانة تستوجب أن نحافظ على الوطن، وأن نبني قوته بالعلم والعمل، وأن نرفض اليأس، وأن ندرك أن الأوطان لا تُصان بالشعارات وحدها.

ومن هنا نعود إلى الحقيقة التي لا يحب البعض سماعها:

قد تمر مصر بعواصف شديدة، وقد تواجه أزمات اقتصادية وسياسية وأمنية، وقد تخطئ وتتعثر وتحتاج إلى مراجعة وإصلاح. لكن لا يجوز أن تتحول أزمة عابرة، أو هزيمة سابقة، أو تحدٍّ مهما كان قاسيًا، إلى حكم نهائي على مستقبل بلد صنع عبر تاريخه محطات كبرى من النهوض والتغيير.

فالتاريخ لا يمنح مصر ضمانة أبدية ضد السقوط، لكنه يقدم درسًا واضحًا: أن المستقبل لا تحسمه هزيمة واحدة، ولا يملكه خصم واحد، ولا تصنعه الأمنيات وحدها.

إنه يتوقف على قدرة المصريين على فهم واقعهم، وتجاوز خلافاتهم، وإصلاح أخطائهم، وصناعة أسباب القوة في حاضرهم.

في السادس من أكتوبر عام ١٩٧٣، لم تقل مصر إن الهزيمة مستحيلة، بل أثبتت أن الهزيمة ليست قدرًا أبديًا، وأن من يعمل لاستعادة قوته يستطيع أن يغيّر حسابات خصومه.

وهنا تكمن عظمة أكتوبر.

ليس لأنها ألغت كل التحديات من طريق مصر، بل لأنها أعادت فتح الطريق بعد أن ظن البعض أنه أُغلق.

وليس لأنها أثبتت أن مصر فوق قوانين التاريخ، بل لأنها أثبتت أن الشعوب تستطيع أن تصنع التاريخ حين تتعلم من ماضيها، وتستعد لمعركتها، وتدرك أن النصر لا يولد من الأمنيات، بل من الإعداد والتضحية والعمل.

سلامٌ على شهداء أكتوبر، الذين عبروا القناة بدمائهم، وتركوا للأجيال درسًا خالدًا في معنى التضحية والإرادة والمسؤولية.

وسلامٌ على كل من شارك في بناء قوة مصر، من الجندي الذي حمل سلاحه إلى المهندس الذي فتح الثغرات، ومن القائد الذي خطط إلى العامل الذي ساهم في إعداد الدولة للمعركة.

ستبقى مصر بحاجة إلى أبنائها بقدر ما يحتاج أبناؤها إليها؛ فالوطن ليس مجرد أرض ورثناها، بل أمانة نحملها، وتاريخ نصونه، ومستقبل نصنعه.

أما حلم سقوط مصر، الذي يتكرر كلما اشتدت عليها الأزمات، فلن تكون الإجابة عنه في ذكريات الماضي وحدها، بل في قدرة المصريين على صناعة حاضر يجعل وطنهم أقوى وأكثر استقرارًا وعدلًا.

فالعواصف قد تمر، والجراح قد تطول، والطرق قد تزداد صعوبة، لكن الدرس الذي تركته حرب أكتوبر سيظل حاضرًا:

لا تجعلوا الهزيمة نهاية الحكاية… ولا تسمحوا لليأس بأن يكتب الفصل الأخير من تاريخ مصر.

 

زر الذهاب إلى الأعلى