.. الدواء فيه سمٌّ قاتل… أفيقوا من غفلتكم قبل الطوفان
كتب / المحكم ياسر عبد الله
كلما تفتح هاتفك تصدمك مشاهد الجرائم والبلطجة التي تجري جهاراً نهاراً في قلب الشارع وأمام عيون المئات من المارة الذين يقفون موقف المشاهد الحيادي فلا يد تمتد لنجدة الضحية ولا صوت يرتفع لردع المعتدي لتقف متسائلاً بمرارة كيف وصلنا إلى هذا التبلد الجماعي؟ وكيف تحول الشارع من مساحة أمان مشتركة إلى ساحة للخوف واللامبالاة لإدراك حجم الفجوة الأخلاقية التي باتت تفصلنا عن ذواتنا.
يكفي أن نعود بعقارب الساعة إلى سينما خمسينيات القرن الماضي وتحديداً إلى الفيلم الخالد “حياة أو موت” ليس لمجرد التندر بالنداء الشهير “إلى أحمد إبراهيم القاطن بدير النحاس… لا تشرب الدواء.. الدواء فيه سمٌ قاتل” بل لنقرأ عبر رحلة طفلة صغيرة في شوارع القاهرة وثيقة إنسانية لمجتمع كان ينبض بالنخوة والمسؤولية الأخلاقية ففي تلك اللقطات السينمائية القديمة لم تكن الشوارع مجرد أسفلت صامت بل كانت مجتمعاً حافلاً بالتضامن تلقائياً فنري الكمساري يصفر لسائق الترام كي يسرع لأن طفلة ترجو إنقاذ أبيها ورجل غريب يحملها على دراجته لتوصلها إلى المترو وصاحب صيدلية يتنازل عن جزء من ثمن الدواء حين يقصر ما بيدها والمارة يهرعون لنجدتها عندما يسرق سكران زجاجة الدواء والشرطة تُسخِر الإذاعة الوطنية لإنقاذ روح فردية واحدة دون تردد بل إن حكمدار العاصمة بنفسه يبتسم للطفلة وهي تناديه ببراءة “يا شاويش” دون أن تستفزه الطبقية أو النفوذ وكان ذلك تجسيداً لزمانٍ لم تكن فيه النجدة قراراً مؤجلاً بل بديهة أخلاقية يتحرك لها الجميع دون حسابات شخصية أما اليوم فقد إنحسرت تلك الشهامة الفطرية ليحل محلها شلل جماعي وغياب فارض للوعي لم يعد الناس يهرعون للإنقاذ بل يهرعون لسحب هواتفهم الذكية لتسجيل المأساة وبثها وكأن الحياة الواقعية تحولت إلى مشهد سينمائي آخر نتفرج عليه من خلف الزجاج فلقد تراجعت قيم الجوار والتكافل لحساب الخوف الفردي والإنسحاب الإجتماعي وغاب الدور التنويري والتثقيفي للفن والإعلام الذي كان يغرس القيمة بدلاً من أن يطبع مع العنف والإبتذال
إن ما نحتاجه اليوم ليس مجرد حسرة ناهضة على “الزمن الجميل” بل إعادة بناء “الوعي الإنساني لدى أجيالنا الجديدة” أن نغرس فيهم أن وظيفة الإنسان الأولى هي عمارة الأرض ونشر الخير والوقوف مع المظلوم وأن المروءة ليست مجرد شعار بل فعل وموقف فالسم الحقيقي لم يكن في زجاجة دواء خطأ بل في اللحظة التي يفقد فيها الشارع قدرته على الغضب للحق والوقوف في وجه الباطل وفي نسياننا أن الحياة الحقيقية تُعاش بالمواقف والشجاعة لا عبر شاشات الهواتف.







