الذكاء الاصطناعي هل سيهبط بسويّة المنشورات الأدبيّة أم سينهض بها ؟
سامر خالد منصور
لابدَّ من الإشارة بدايةً إلى أن هناك ذكاءً اصطناعيّاً مُتخصصاً بالإبداع الأدبي يُؤجِّرُ ” قلمه ” لمن يدفع المال .
الذكاء الاصطناعي لم يختبر الألم والوحدة والشوق والضعف والخوف والقهر والأسى وبالتالي ليست لديه دوافع لكتابة أدب أصيل . إنه يقوم بالمُحاكاة والمَزج لِما يُعطى إليه من أدب أصيل مُبتكر ، تلك المحاكاة التي يُنتج عَبرها ما هو مُبتكر من المُبتكر و متميّز بسبب وعيه العميق بالعملية الإبداعية وتطوراتها عبر العصور وحيثيات نهضتها ومواطن قوتها ومقدرتها على التأثير ، لكن البعض يقول مهما تكن تلك الروايات والكتابات الأدبية فهي روايات غير أصيلة برغم أنها تقوم على عملية مُحاكاة مُذهلة و كبيرة ومُعقَّدة وتُعطي نتائج شيقة ومُدهشة على عدّة مستويات ، وهذا الأمر يضطلع به أيضاً كُتّابٌ من البشر على مرِّ العصور .
هل يستطيع الذكاء الاصطناعي المُؤلّف للأعمال الأدبية أن يبتلع الأسواق ؟
أعمال المُحاكاة التي سيقوم بها الذكاء الاصطناعي ستلقى رواجاً هائلاً بسبب اتقان الذكاء الاصطناعي مُنقطع النظير لها ، خاصةً ما على صعيد السيناريو والرواية وستقوم هذه المؤلفات بإشباع رغبات الأجيال الصاعدة في القراءة على حساب الإبداع الأصيل الذي قد لا يُوفَّقُ كاتبه إلى ذات سوية التشويق أو ذات السويَّة اللغويَّة .. إلى آخره لكن من جهةٍ يبقى الإبداع البشري فيه من التجربة الإنسانية و الأصالة ما لا يستطيع الذكاء الاصطناعي المَعنيُّ بالتأليفِ الأدبي مواكبته إلا بعد حين.
السبب في نجاح الذكاء الاصطناعي في استقطاب الأجيال الصاعدة واحتلال المشهد مع الزمن هو أنها ستقرأ له وهي لم تمتلك بعد ذائقة عالية و لا عُمقاً ثقافيّاً ومعرفياً يجعلها تُدرك أن المسألة ليست مسألة صراع بين الشخصيات وكسر إرادات وتشويق فحسب ، إن طوفان المؤلفات الشيِّقة التي ستعتمدها دور النشر التي تنشد الربح ولا شيء إلا الربح ، سيعجل الآداب تهبط أكثر بتقديري إلى المرحلة التي وصلت إليها أفلام السينما حيث كُثرٌ من يتابعون أفلام الأكشن وقلّة مَن يُتابعون الأفلام ذات الأبعاد الفكريَّة أو السوسيولوجيّة أو السيكولوجيّة .. إلى آخره .
إن تسلل المؤلفات التي في ظاهرها قد كُتبت من قبل بشر وفي حقيقتها هي من تأليف الذكاء الاصطناعي وقد خضعت فقط إلى مُراجعة من قبل كاتب أو ورشة كُتّاب بشرية ، هذا التسلل بحاجة إلى إجراءات مُضادة متعددة ، كما أن الاتحادات الرياضية المعنيّة بتنظيم المباريات وألعاب القوى تمنع الرياضيين من تناول المُنشطات ، كذلك باعتقادي اتحادات الكُتاب هي المَعنيّة بكشف المشاهير الذين لم يبتكروا و إنما اعتمدوا فيما نُشر تحت أسمائهم على أصناف مُعقَّدة غير مُتاحة للعامة من الذكاء الاصطناعي المتخصص في الكتابة الأدبية واستطاعوا أن يديروا هذا الذكاء الجبار ببراعة ، وبالتالي هم مدراء ذكاء اصطناعي إبداعي أكثر منهم أدباء مُبدعين ، وهذا انمحاءٌ في إحدى المَناحي للفارق بين فئة الكاتب المُبدع المُتميّز من جهة وفئتي الناقد والقارئ المُثقف صاحب الذائقة الرفيعة ، من جهةٍ أخرى ، لقدرتهما على انتحال صفة الكتاب المُبدع عبر مساعدة الذكاء الاصطناعي .
في الختام لابدَّ من الإشارة إلى أن كلَّ ما تناولناه في هذا المقال ما هو إلا غَيضٌ من فَيض ، وسنخصص مقالاتٍ أخرى لاستشراف مُستقبل الكتابة الأدبية في عصر التكنولوجية الذكيّة وما بعده.








