الطفل الذي كبر قبل أوانه..
حين تُسرق من الصغار سنوات لا تعود.
بقلم / إسراء محمد
في كل بيت طفل يضحك بخفة، يركض خلف لعبة، ينتظر نزهة، أو يطلب حكاية قبل النوم.
طفل لا يعرف من الحياة إلا ما يناسب عمره ويظن أن الكبار قادرون دائمًا على حمايته من الأشياء التي لا يستطيع فهمها. لكن هناك أطفالًا آخرين لا تشبه ملامحهم أعمارهم أطفال تعلموا مبكرًا أن يراقبوا وجوه الكبار قبل أن يتحدثوا وأن ينتبهوا إلى نبرة الصوت، وأن يخفوا حزنهم حتى لا يضيفوا حزنًا جديدًا إلى البيت.
أطفال لم يمنحهم أحد شهادة تقول إنهم كبروا، لكن الحياة وضعت على أكتافهم ما جعلهم يكبرون قبل أوانهم.
نحن كثيرًا ما نصف الطفل الذي يتحمل المسؤولية بأنه طفل ناضج، ونشعر بالفخر حين نراه يساعد والديه، يعتني بإخوته، لا يطلب كثيرًا، ولا يشتكي.
وقد يكون في ذلك جانب صحي من التربية فتعلم المسؤولية والاستقلال والاعتماد على النفس يساعد الطفل على بناء شخصية متوازنة. لكن الفارق كبير بين أن يتعلم الطفل المسؤولية، وأن يصبح مسؤولًا عن أشياء أكبر من قدرته وسنه. فحين يتحول الابن إلى سند دائم لوالديه، أو تتحول الابنة إلى أم صغيرة لإخوتها، أو يشعر الطفل أن عليه أن يحافظ على هدوء البيت، فنحن لا نعلمه النضج بقدر ما نضعه في مكان لم يُخلق لعمره.
هناك طفل يتعلم أن والدته حزينة، فيحاول ألا يطلب منها شيئًا حتى لا يرهقها.
وهناك من يسمع خلافات والديه، فيجلس صامتًا خلف باب غرفته، ثم يخرج وكأن شيئًا لم يحدث. وهناك من يجد نفسه مسؤولًا عن إخوته لأن الكبار منشغلون بمشكلاتهم، فيعرف كيف يطعم أخاه الأصغر، ويجهز له ملابسه، ويهدئ بكاءه، بينما لا يجد هو من يسأله ماذا تخاف؟ وماذا تحتاج؟ وهناك من يسمع منذ سنواته الأولى جملة تبدو عابرة أنت الكبير، يجب أن تفهم فتتحول هذه الجملة مع الوقت إلى قاعدة يعيش بها، الجميع من حقه أن ينهار إلا هو.
الأصعب أن الطفل لا يملك الأدوات النفسية التي تمكنه من فهم ما يحدث حوله.
هو لا يعرف كيف يفصل بين مشكلة والديه ومسؤوليته، ولا يدرك أن غضب الأب من الأم ليس ذنبه، وأن حزن الأم ليس مهمة عليه إصلاحها، وأن الظروف المالية الصعبة ليست عارًا يحمله، وأن انفصال والديه، إن حدث، ليس نتيجة خطأ ارتكبه.
لكنه قد يشعر بكل ذلك، وقد يحمل في داخله خوفًا أو ذنبًا لا يعرف كيف يسميه.
وحين يعتاد الطفل أن يكون الشخص الذي يفهم، قد يصبح من الصعب عليه لاحقًا أن يسمح لنفسه بأن يحتاج إلى أحد. يكبر وهو يرى طلب المساعدة ضعفًا، والتعب ترفًا، والراحة شيئًا لا يستحقه إلا بعد أن ينتهي من الاهتمام بالجميع. وقد يتحول ما ظنه الكبار في طفولته قوةً إلى عبء طويل في سنواته التالية، لأنه لم يتعلم فقط كيف يتحمل، بل تعلم أن قيمته مرتبطة بقدرته على التحمل.
وهنا يجب أن نتوقف أمام فكرة نرددها كثيرًا دون أن نسأل عن ثمنها هذا الطفل عاقل أكبر من سنه. ربما يكون كذلك، لكن السؤال الأهم ليس كم يبدو ناضجًا؟ بل لماذا اضطر إلى أن يكون كذلك؟ فهناك فرق بين طفل يتعلم ترتيب غرفته، والالتزام بواجباته، ومساعدة أسرته في حدود قدرته، وبين طفل يشعر أنه مسؤول عن استقرار البيت ومشاعر والديه وحماية إخوته من آثار خلافاتهم.
الطفولة ليست مرحلة يمكن اختصارها متى احتاج الكبار إلى ذلك.
إنها سنوات يتعلم فيها الإنسان معنى الأمان والثقة والتعبير عن المشاعر، ويكتشف فيها نفسه والعالم من حوله.
وحين يعيش الطفل في بيئة تجعله دائمًا في حالة استعداد لمواجهة مشكلة جديدة، قد يتعلم أن العالم مكان ينبغي الحذر منه باستمرار، وأن الهدوء لا يدوم طويلًا، وأن عليه أن يراقب الآخرين حتى يعرف ما سيحدث قبل وقوعه.
وقد يظهر ذلك في تفاصيل صغيرة لا ينتبه إليها الكبار، طفل يتوتر عندما تتغير نبرة صوت أحد والديه، أو يسارع إلى إرضاء الجميع عند حدوث خلاف، أو يشعر بالذنب إذا رأى أحدًا حزينًا، أو يعتذر حتى عندما لا يكون مخطئًا. هذه التصرفات لا تعني وحدها أن الطفل يعاني مشكلة نفسية، فالأطفال يختلفون، والظروف تختلف، لكن تكرارها في بيئة يتحمل فيها الطفل ما يفوق سنه يستحق الانتباه، لأن الطفل قد يكون قد تعلم أن راحته مرتبطة براحة الآخرين.
ومن أكثر الأطفال احتياجًا إلى الانتباه ذلك الطفل الذي لا يسبب المشكلات. الطفل الذي لا يطلب، لا يعترض، يحصل على درجات جيدة، يساعد الجميع، ويبتسم حين يسأله أحد هل أنت بخير؟. قد يظن الجميع أنه بخير لأنه لم يمنحهم سببًا للقلق، بينما يكون قد تعلم فقط أن يخفي ما يشعر به. فالهدوء ليس دائمًا دليلًا على الراحة، والمسؤولية ليست دائمًا دليلًا على أن الطفل لا يحتاج إلى الرعاية.
لكن حماية الطفل لا تعني أن نربيه على الاتكالية، أو أن نمنعه من تحمل أي مسؤولية. على العكس، يحتاج الطفل إلى أن يتعلم المشاركة والاعتماد على النفس واتخاذ القرار بما يناسب عمره. غير أن التربية المتوازنة تعرف أين تنتهي مسؤولية الطفل وتبدأ مسؤولية الكبار. أن نطلب منه ترتيب ألعابه شيء، وأن نجعله مسؤولًا عن أخيه الأصغر طوال الوقت شيء آخر. أن نعلمه احترام مشاعر والديه شيء، وأن نضعه في قلب مشكلاتهما شيء آخر. أن نطلب منه المساعدة شيء، وأن نجعله يشعر بأن البيت سينهار إذا لم يتحمل هو الأمر شيء مختلف تمامًا.
والطفل لا يحتاج إلى بيت خالٍ من المشكلات، فهذا أمر لا وجود له، لكنه يحتاج إلى بالغين لا يجعلونه يدفع ثمن تلك المشكلات. قد تحدث أزمة مالية، وقد يختلف الأب والأم، وقد تمر الأسرة بمرض أو فقد أو انفصال، لكن وجود الكبار في موقع المسؤولية يعني أن الطفل يعرف أن ما يحدث ليس عبئًا عليه، وأن هناك من سيحميه قدر الإمكان من التفاصيل التي لا يستطيع عمره استيعابها.
وأحيانًا تكون الجملة الأكثر احتياجًا إلى أن يسمعها الطفل هي: هذا ليس مسؤوليتك». يحتاج إلى أن يعرف أن مشكلات والديه تخص الكبار، وأن الخلافات الأسرية ليست امتحانًا عليه أن ينجح فيه، وأن من حقه أن يلعب حتى لو كان البيت يمر بظرف صعب، وأن من حقه أن يبكي دون أن يسمع أنه يجب أن يكون قويًا، وأن من حقه أن يقول: أنا خائف، أو لا أعرف، أو أحتاج إليك، دون أن يشعر بأنه خذل أحدًا.
ولعل أصعب ما في الطفل الذي كبر قبل أوانه أنه قد لا يدرك في طفولته أنه فقد شيئًا. فهو لا يعرف أن السنوات التي قضاها منشغلًا بمشكلات أكبر منه كان يمكن أن تكون مليئة باللعب والفضول والضحك. لا يعرف أن انشغاله الدائم بمشاعر الآخرين جاء أحيانًا على حساب اكتشاف مشاعره هو. ولا يعرف أن الصورة التي كان الكبار يرونها مثيرة للفخر، صورة الطفل الذي لا يتعب أحدًا، ربما كانت تخفي طفلًا كان يتمنى فقط أن يجد شخصًا يستطيع أن يتكفل بالأشياء الكبيرة عنه.
ثم يكبر الطفل، ويغادر البيت، ويبدأ حياته الخاصة، لكن بعض الأدوار قد تستمر معه. قد يصبح الشخص الذي يتولى كل شيء في علاقاته، ويشعر بالذنب حين يرتاح، ويخشى إزعاج الآخرين، ويجد صعوبة في الاعتراف بأنه يحتاج إلى الدعم. وقد يظن أن هذه طبيعته، بينما يكون بعضها امتدادًا لسنوات تعلم فيها أن عليه أن يعطي أكثر مما يأخذ، وأن يكون حاضرًا للجميع، حتى عندما لا يجد من يكون حاضرًا له.
وقد يحمل هذا الشخص إلى علاقاته المستقبلية خوفًا من الفوضى، فيسارع إلى إصلاح كل مشكلة، وتهدئة كل خلاف، وتحمل ما لا ينبغي أن يتحمله. ليس لأنه أضعف من غيره، بل لأنه اعتاد منذ الصغر أن يشعر بأن استقرار من حوله جزء من مسؤوليته. ولهذا فإن بعض البالغين لا يعرفون كيف يقولون: أنا متعب، لأنهم تعلموا في وقت مبكر جدًا أن الآخرين يحتاجون إليهم أكثر مما يحتاجون هم إلى الآخرين.
لهذا فإن حماية الطفل تبدأ أحيانًا من إعادة تعريف دوره داخل الأسرة. ليس مطلوبًا من الابن الأكبر أن يكون والدًا لإخوته، ولا من الابنة أن تكون أمًا لأمها، ولا من الطفل أن يصبح مستشارًا لوالديه، ولا أن يحمل أسرار البيت فوق عمره. الأطفال يحتاجون إلى بالغين يتحملون مسؤولية مشكلاتهم، لا إلى أطفال يحملون عنهم نتائجها.
إن أجمل ما يمكن أن نمنحه للطفل ليس أن نجعله ناضجًا قبل أوانه، وإنما أن نسمح له أن ينضج في أوانه. أن نعطيه مساحة للخطأ دون إذلال، وللعب دون شعور بالذنب، وللبكاء دون اتهام بالضعف، وللسؤال دون تخويف، وللاحتياج دون خجل. أن نربي فيه المسؤولية، لكن دون أن نسلبه البراءة. أن نعلمه القوة، لكن دون أن نقنعه بأن القوة تعني ألا يحتاج إلى أحد.
فالطفولة التي تمر لا يمكن استعادتها حين يكبر الإنسان، والسنوات التي قضاها الطفل في محاولة أن يكون أكبر من عمره لا تعود إلى الوراء. وربما لهذا علينا، قبل أن نفتخر بطفل يقول عنه الجميع إنه «أكبر من سنه»، أن نسأل أنفسنا سؤالًا أكثر أهمية: هل كبر لأنه تعلم، أم لأنه اضطر؟ هل أصبح مسؤولًا لأنه تلقى تربية متوازنة، أم لأنه لم يجد من يحمل عنه المسؤولية؟ وهل نرى في هدوئه نضجًا حقيقيًا، أم صمتًا تعلمه حتى لا يزعج أحدًا؟
ربما لا نستطيع أن نصنع لأطفالنا حياة بلا ألم، لكن يمكننا أن نمنحهم شيئًا أكثر واقعية وأهمية أن يعرفوا أنهم ليسوا وحدهم في مواجهة الألم. يمكن أن نختلف أمامهم دون أن نجعلهم قضاة، ونمر بأزمات دون أن نجعلهم حامليها، ونطلب مساعدتهم دون أن نحمّلهم ما يفوق طاقتهم. يمكن أن نربيهم على القوة دون أن نسلبهم حقهم في الضعف، وعلى المسؤولية دون أن نحرمهم من اللعب، وعلى الاستقلال دون أن نجعلهم يشعرون بأن عليهم مواجهة العالم وحدهم.
فلا تجعلوا من الطفل الذي تحمل كثيرًا قصة نجاح في التحمل قبل أن تسألوا عن الأشياء التي كان يتمنى أن يحملها أحد عنه. بعض الأطفال لا يحتاجون إلى أن نقول لهم: كبروا، بل يحتاجون إلى أن نطمئنهم بأنهم ما زالوا صغارًا، وأن هناك من سيتولى الأشياء الكبيرة، وأن من حقهم أن يعيشوا سنواتهم كما ينبغي، قبل أن تأتي الحياة بنفسها وتطلب منهم أن يكبروا









