العلامة العراقي عبد الصاحب المختار.. رحلة خمسين عامًا في البحث بين الشعر العربي والرياضيات والفيزياء
دعوات إلى إحياء إرثه العلمي وفتح داره في بغداد أمام الجمهور وتوثيق مخطوطاته ومؤلفاته
بغداد – تقرير إخباري
تستعيد الأوساط المهتمة بالتراث العلمي والثقافي العراقي سيرة العلامة عبد الصاحب المختار، الذي كرّس نحو خمسين عامًا من حياته للبحث والدراسة، متنقلًا بين العَروض والشعر العربي والرياضيات والفيزياء، تاركًا وراءه مؤلفات ومخطوطات ومشروعات بحثية، وسط دعوات إلى تسليط الضوء على منجزاته وإتاحة إرثه العلمي والثقافي للأجيال الجديدة.
وُلد المختار في بغداد عام 1923، في محلة الهيتاويين بجانب الرصافة، ضمن عائلة بغدادية، وتخرج في كلية الحقوق عام 1947. وعمل مديرًا لطابو بغداد الكرخ لمدة ثلاثة عشر عامًا، ثم مستشارًا في ديوان التدوين القانوني، قبل انتقاله خبيرًا إلى وزارة الثقافة، ثم إلى المجمع العلمي العراقي، وصولًا إلى إحالته على التقاعد.
ورغم مسيرته المهنية في المجال القانوني والإداري، اتجه المختار إلى البحث العلمي والفكري، وكرّس جانبًا كبيرًا من حياته لدراسة العَروض العربي، سعيًا إلى الكشف عن بنية إيقاعية ورياضية جديدة في الشعر العربي.
«دائرة الوحدة».. مشروع بحثي في العَروض العربي
يُعد كتاب «دائرة الوحدة للشعر العربي» من أبرز مؤلفات المختار في مجال العَروض. ووفقًا للمعلومات المتداولة عن سيرته، فقد تناول الكتاب نظرية جديدة في دراسة الأوزان الشعرية، عُرفت باسم «دائرة الوحدة»، وطُبع لدى الجامعة العربية في تونس عام 1985.
وتشير المعلومات المقدمة عن مسيرته إلى أن النظرية حظيت باهتمام جهات أكاديمية ولغوية، وأن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقية عمّمت كتبًا تتعلق بها على الكليات المتخصصة، بهدف إتاحتها للباحثين وطلبة الدراسات العليا.
كما تتحدث الرواية الواردة عن تجربته العلمية عن رحلاته إلى سويسرا وفرنسا، ولقاءاته بعدد من العلماء والمفكرين، من بينهم الفيلسوف وعالم النفس السويسري جان بياجيه، والعالم الفرنسي جان بيرك شابريه، الذي ارتبط اسمه بدراسة اللغة والموسيقى. وتحتاج تفاصيل هذه اللقاءات والشهادات المنسوبة إلى أصحابها إلى توثيق أرشيفي مستقل.
من الشعر إلى الرياضيات
لم تتوقف اهتمامات المختار عند حدود الأوزان الشعرية، بل امتدت، بحسب ما ورد في سيرته، إلى موضوعات رياضية متعددة، شملت نظرية المجموعات وأسرار العد والتفاضل والتكامل والنسبة الثابتة وتربيع الدائرة، إلى جانب طرحه قانونًا جديدًا لحساب مساحة الدائرة.
وفي عام 1982، أعلن المختار، وفقًا للرواية المتداولة عن مسيرته، عبر تلفزيون الكويت، أن نظرية فيثاغورس يمكن استخلاصها من بحور الشعر العربي، وهو طرح ارتبط لاحقًا بندوتين تناولتا أفكاره؛ إحداهما في كلية الآداب بالجامعة المستنصرية، حاضر فيها البروفيسور إياد الباوي، والأخرى في كلية العلوم بالجامعة نفسها، وأقامها البروفيسور الدكتور مهند.
وتبقى هذه الطروحات بحاجة إلى عرض تفصيلي لأدلتها الرياضية ومقارنتها بالمراجع العلمية المعتمدة، بما يتيح للمتخصصين تقييمها وتحديد مدى أصالتها وإسهامها المعرفي.
«النسبية العددية المطلقة» والبحث في الفيزياء
امتدت اهتمامات المختار كذلك إلى الفيزياء، حيث وضع كتاب «النسبية العددية المطلقة»، الذي نُشر عام 2021، وتناول فيه أفكارًا ومقارنات تتصل بتصوراته العلمية وبأعمال إسحاق نيوتن وألبرت أينشتاين.
وتشير المعلومات المقدمة عن أعماله إلى وجود بحث يتناول قانون الجاذبية، أعدّه الباحث الدكتور محمد غازي في الجامعة التقنية الشمالية ونُشر في إحدى المجلات العلمية الدولية، إضافة إلى توجه لإعداد بحث جديد يتناول الزمكان ونظرية المعلومات، إلى جانب موضوعات أخرى، منها ما عُرف باسم «المثلث الفضائي».
وتبرز هنا أهمية جمع هذه الأعمال والبحوث في ملف علمي متكامل، يتضمن عناوين الأبحاث ومراجع نشرها وبيانات المجلات التي احتضنتها، وإتاحتها أمام الجامعات والباحثين المتخصصين لدراستها وتقييم نتائجها.
مؤلفات تحفظ جانبًا من تجربته
تضم قائمة المؤلفات المنسوبة إلى العلامة عبد الصاحب المختار عددًا من الكتب والدواوين، من أبرزها:
«دائرة الوحدة للشعر العربي».
«ملخص في مكتشفات المختار»، بنسخته العربية، وملخص باللغة الإنجليزية طُبع في الأردن.
«البنية الرياضية»، المطبوع في العراق.
«النسبية العددية المطلقة»، المطبوع في العراق.
ديوان «ألق الجوى»، الصادر عام 1976.
ديوان «عبق اللمى».
ديوان «أصداء الحياة»، الذي طُبع حديثًا.
وتعكس هذه العناوين اتساع اهتماماته بين اللغة والأدب والبحث الرياضي والفيزيائي، وتؤكد أهمية فهرسة مؤلفاته وتحديد طبعاتها وتوثيقها ضمن أرشيف علمي متاح للباحثين والمهتمين.
مكتبة ومخطوطات ودار تنتظر إحياء الذاكرة العلمية
وفي جانب الحفاظ على التراث، تفيد المعلومات الواردة عن المختار بأنه أوصى بإيداع مكتبته لدى مكتبة جامعة بغداد، فيما أُودعت مخطوطاته لدى دائرة المخطوطات التابعة لوزارة الثقافة، ونُقلت مقتنياته إلى دائرة التراث.
كما تشير المعلومات إلى تسليم داره الواقعة في منطقة الحارثية ببغداد إلى وزارة الثقافة العراقية، بهدف تحويلها إلى متحف يعرّف العراقيين بمنجزاته العلمية والفكرية ويحفظ ذاكرته للأجيال المقبلة.
ويمثل هذا الجانب من سيرته فرصة لإطلاق مشروع متكامل لحماية مقتنياته، يبدأ بجرد الكتب والمخطوطات والوثائق والشهادات، ويمتد إلى رقمنتها وإعداد فهرس إلكتروني لها، بما يضمن حفظها وإتاحتها للباحثين وفق الإجراءات المعتمدة.
دعوة إلى المؤسسات العراقية لإبراز إرثه العلمي
تتجه الأنظار إلى إمكانية اضطلاع وزارة الثقافة ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، بالتعاون مع المجمع العلمي العراقي والجامعات العراقية، بدور فاعل في توثيق سيرة العلامة عبد الصاحب المختار وأعماله.
وتبرز في هذا السياق مطالب بفتح داره في الحارثية أمام الجمهور بعد استكمال متطلبات التهيئة والحماية، وتحويلها إلى مساحة ثقافية وعلمية تضم مقتنياته وتعرّف الزائرين بمسيرته، إلى جانب تنظيم ندوات علمية متخصصة لدراسة كتبه وأبحاثه، ونشر ما لم يُنشر من مخطوطاته وفق الأصول الأكاديمية.
كما أن الإعلان عن أي نتائج علمية جديدة منسوبة إليه، ولا سيما في الجاذبية والزمكان، ينبغي أن يستند إلى أبحاث منشورة وموثقة، تخضع للتحكيم العلمي وتقييم المتخصصين، بما يحفظ قيمة البحث العلمي ويمنح الأفكار المطروحة فرصتها العادلة للفحص والمناقشة.
إن تجربة عبد الصاحب المختار، بما تتضمنه من رحلة طويلة بين القانون والأدب والرياضيات والفيزياء، تستحق جمع وثائقها وإتاحتها للدراسة. فحفظ التراث العلمي لا يقتصر على صيانة الكتب والمخطوطات، بل يشمل أيضًا توثيق الأفكار، والتحقق من مصادرها، وإفساح المجال أمام الباحثين لمناقشتها وتطوير المعرفة انطلاقًا منها.
ويبقى الأمل أن تتحول داره ومكتبته ومخطوطاته إلى مشروع ثقافي وعلمي حيّ، يتيح للأجيال العراقية والعربية التعرف إلى مسيرته، ويصون ما تركه من مؤلفات ووثائق، ويضع أعماله أمام البحث الأكاديمي المتخصص، لتأخذ مكانها الذي تحدده الأدلة العلمية والتوثيق التاريخي.








