مقالاتمنوعات

المخدراتُ وضجيجُ الجريمة. بقلم: جمال القاضي

 

المخدراتُ وضجيجُ الجريمةِ

 

بقلم: جمال القاضي

نعلمُ أنَّ المخدراتِ هي السببُ الرئيسي في ظهورِ تلك الجرائمِ التي انتشرتْ مؤخرًا في الشارعِ المصريِّ، وتعدَّدتْ أشكالُها ما بينَ التحرشِ بالسيداتِ، والسرقةِ بالإكراهِ، وأعمالِ البلطجةِ، والقتلِ، والاتجارِ العلنيِّ بالمخدراتِ؛ مما أفسدَ عقولَ الشبابِ في نهايةِ المطافِ، وأدَّى إلى انتشارِ العنفِ وتفاقمِ مظاهرِ الجريمةِ.

كما أنَّ تعاطيَ المخدراتِ كان له دورٌ كبيرٌ في تفككِ الأسرةِ وانتشارِ حالاتِ الطلاقِ، فضلًا عن كونه سببًا في تفشي جرائمِ الزنا والخيانةِ الزوجيةِ؛ نتيجةَ تقصيرِ الزوجِ في أداءِ واجباتِهِ الزوجيةِ تجاهَ زوجتِهِ.

وربما كانتِ القوانينُ تُلزِمُ العاملينَ في الدولةِ بإجراءِ تحليلِ المخدراتِ عندَ التقدمِ للوظيفةِ أو عندَ الترقيةِ إلى وظيفةٍ أعلى، إلا أننا تركنا الشارعَ دونَ وضعِ معاييرَ وإجراءاتٍ فعَّالةٍ تمنعُ انتشارَ هذه الظاهرةِ، سواءٌ في الاتجارِ بالمخدراتِ أو في تعاطيها. كما أنَّ ضعفَ العقوباتِ المنصوصِ عليها في القوانينِ بالنسبةِ للجرائمِ التي يرتكبُها الجاني تحتَ تأثيرِ المخدراتِ يُعَدُّ أحدَ أسبابِ تفاقمِ المشكلةِ؛ إذ إنَّ أقصى عقوبةٍ كانتْ تُطبَّقُ في بعضِ حالاتِ القتلِ هي السجنُ لمدةِ عشرِ سنواتٍ، في حينِ أنَّ العقوبةَ على الجريمةِ ذاتِها إذا ارتكبها شخصٌ واعٍ ومدركٌ قد تصلُ إلى الإعدامِ أو السجنِ المؤبدِ. ومن ثمَّ، فإنَّ ضعفَ هذه العقوباتِ كان دافعًا غيرَ مباشرٍ لارتكابِ الجريمةِ.

وكذلك فإنَّ العقوباتِ الواقعةَ على المدمنِ أو متعاطي المخدراتِ لا تتناسبُ إطلاقًا مع الآثارِ والنتائجِ الجنائيةِ التي قد تترتبُ على التعاطي لاحقًا، من جرائمِ تحرشٍ أو اغتصابٍ أو قتلٍ أو بلطجةٍ أو ترويعٍ للآخرينَ.

ولإعادةِ الانضباطِ إلى الشارعِ المصريِّ كما كانَ في السابقِ، فإنني أرى ضرورةَ اتخاذِ الإجراءاتِ الآتيةِ:

أولًا: سرعةُ القضاءِ على ظاهرةِ تعاطي المخدراتِ والاتجارِ بها.

ثانيًا: سنُّ قوانينَ جديدةٍ تتساوى فيها العقوبةُ بينَ الجاني الذي يرتكبُ الجريمةَ تحتَ تأثيرِ المخدراتِ والجاني الذي يرتكبُها وهو في كاملِ وعيهِ، كما تتساوى العقوبةُ على متعاطي المخدراتِ ومروِّجِها وزارعِها ومسهِّلِ تداولِها ومَن يتسترُ على مروجيها، على أن تكونَ العقوبةُ في جميعِ الأحوالِ السجنَ المؤبدَ كحدٍّ أدنى، أو الإعدامَ كأقصى عقوبةٍ في الحالاتِ الجسيمةِ.

ثالثًا: تركيبُ كاميراتِ مراقبةٍ في جميعِ الشوارعِ والميادينِ، وربطُها بغرفِ عملياتِ وزارةِ الداخليةِ؛ بما يُسهمُ في الحدِّ من الجريمةِ قبلَ وقوعِها، وسرعةِ ضبطِ مرتكبيها عندَ حدوثِها.

رابعًا: إجراءُ تحاليلَ دوريةٍ ومفاجئةٍ لجميعِ سائقي سياراتِ الأجرةِ ومركباتِ «التوك توك»، على أن تتمَّ بصورةٍ عشوائيةٍ ودونَ مواعيدَ معلومةٍ مسبقًا. كما يجبُ مصادرةُ جميعِ مركباتِ «التوك توك» غيرِ المرخصةِ؛ لما تمثلُه من عاملٍ مساعدٍ في وقوعِ العديدِ من الجرائمِ، كخطفِ الأطفالِ، واغتصابِ النساءِ، والتحرشِ، والسرقةِ، وهي جرائمُ انتشرتْ بصورةٍ تُثيرُ الخوفَ والقلقَ بينَ المواطنينَ.

وأخيرًا، فإننا جميعًا بحاجةٍ إلى الشعورِ بالأمانِ. فجميعُنا يريدُ أن تشعرَ بناتُنا بالأمانِ عندَ ذهابِهنَّ بمفردِهنَّ إلى المدرسةِ أو الجامعةِ أو للتسوقِ، دونَ أن يعترضَ طريقَهُنَّ أحدُ أولئكَ الذين غُيِّبَتْ عقولُهم بسببِ الإفراطِ في تعاطي المخدراتِ.

وإذا أردنا تحقيقَ ذلكَ، فإنَّ الجهاتِ المعنيةَ تمتلكُ قواعدَ بياناتٍ تُمكِّنُها من معرفةِ المتاجرينَ بالمخدراتِ، بل وحتى متعاطيها، غيرَ أنَّ الأمرَ يحتاجُ إلى قرارٍ حاسمٍ وإرادةٍ قويةٍ للقضاءِ على هذه الظاهرةِ، التي ارتبطتْ بها مختلفُ أشكالِ الجريمةِ التي نشاهدُها يوميًّا في الشارعِ، والتي تُهددُ أمنَ الوطنِ واستقرارَه إذا استمرتْ على حالِها دونَ مواجهةٍ حازمةٍ وشاملةٍ.

 

زر الذهاب إلى الأعلى