صدى مصرمقالاتمنوعات

حين تستعجل المدرسة أطفالنا. من يسمع صوت أولياء الأمور؟. بقلم: إسراء محمد

حين تستعجل المدرسة أطفالنا.

من يسمع صوت أولياء الأمور؟

 

بقلم: إسراء محمد

ليس كل ما يمكن تقديمه يصبح أفضل، وليس كل زيادة في عدد الأيام تعني بالضرورة زيادة في جودة التعليم. وربما تكون هذه هي الجملة التي يجب أن نضعها أمامنا ونحن نستقبل عامًا دراسيًا جديدًا يبدأ في الثاني عشر من سبتمبر، بينما لا يزال الصيف يمد أيامه، ولا تزال الأسر تحاول أن تلتقط أنفاسها بعد عام دراسي طويل، ولا يزال الأطفال في حاجة إلى بعض الوقت قبل أن ينتقلوا مرة أخرى من عالم الإجازة إلى عالم الطابور والكتب والواجبات والامتحانات. وزارة التربية والتعليم حددت موعد بدء الدراسة، وأكدت عدم وجود نية لتأجيله، فيما يرى كثير من أولياء الأمور أن التبكير ليس في مصلحة أبنائهم، وهنا لا أجد نفسي في المنطقة الرمادية؛ فأنا مع حق أولياء الأمور في الاعتراض، ومع حق الطفل في أن تكون مصلحته هي البداية الحقيقية لأي قرار تعليمي.

أنا لا أعارض التعليم، ولا أطالب بإجازة مفتوحة، ولا أرى في المدرسة عبئًا يجب أن نتخلص منه. على العكس تمامًا، نحن نريد أبناءنا داخل المدارس، ونريد لهم تعليمًا قويًا، ومعلمين قادرين على أداء رسالتهم، ومناهج يحصلون على الوقت الكافي لفهمها، وعامًا دراسيًا منظمًا لا تضغط فيه المناهج فوق بعضها بعضًا. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هل الطريق إلى تعليم أفضل يمر بالضرورة من بوابة بدء الدراسة في وقت أبكر؟ وهل زيادة الأيام هي الحل إذا لم نتوقف أولًا أمام جودة ما يحدث داخل هذه الأيام؟

الخريطة الزمنية للعام الدراسي 2026/2027 حددت بدء الدراسة في معظم المدارس يوم السبت 12 سبتمبر، على أن يستمر العام الدراسي حتى 24 يونيو 2027، بإجمالي 183 يومًا دراسيًا موزعة على 39 أسبوعًا. وتقول الوزارة إن زيادة أيام الدراسة تهدف إلى توفير الوقت التعليمي الكافي لاستكمال المناهج والتقييمات والأنشطة ورفع مستوى الطلاب. هذه أهداف لا يختلف عليها اثنان، لكن اختلافنا يبدأ من الوسيلة: هل نحتاج إلى مزيد من الأيام فعلًا، أم نحتاج قبل ذلك إلى أن نجعل الأيام الموجودة أكثر جودة وكفاءة؟

فالطفل ليس ساعة يمكن أن نضيف إليها دقائق فنحصل تلقائيًا على إنتاج أفضل، وليس دفتر حضور نحسب فيه عدد الأيام ثم نعتبر المهمة قد اكتملت. الطفل إنسان، وله طاقة محدودة، ونوم يحتاج إليه، وراحة يحتاج إليها، ووقت للعب والحركة والأسرة لا يقل أهمية عن الوقت الذي يقضيه أمام السبورة. وإذا كنا نتحدث بجدية عن تطوير التعليم، فعلينا أن نعترف بأن الحالة النفسية والجسدية للطفل جزء من العملية التعليمية وليست تفصيلًا زائدًا يمكن تجاهله.

طفل قضى شهورًا بين المدرسة والدروس والواجبات والاختبارات يحتاج إلى أن يستعيد طاقته، لا لأننا نريد أن ندلله، وإنما لأن الراحة جزء من قدرته على التعلم. والانتقال المفاجئ من نظام صيفي يعتمد على السهر والنوم المتأخر إلى الاستيقاظ المبكر والالتزام الصارم يحتاج إلى تدرج، خصوصًا مع الأطفال الأصغر سنًا. نحن نطلب منهم التركيز منذ الصباح، والاستيعاب لساعات، والعودة إلى المنزل ليجدوا واجبات ومراجعات، ثم نستغرب عندما نشكو من الملل وفقدان الشغف والإرهاق.

والأغرب أننا أحيانًا نتعامل مع الإجازة وكأنها وقت ضائع يجب التخلص منه بأسرع ما يمكن، مع أن الطفل الذي نام جيدًا، ولعب، وتحرك، وقضى وقتًا مع أسرته، ومارس هواية يحبها، لم يهدر وقته. لقد استثمر في نفسه. لقد أعاد شحن طاقته النفسية والجسدية، وهي الطاقة التي سيحتاج إليها عندما يعود إلى المدرسة.

ثم ماذا عن الأسرة؟

هل تظهر الأسرة في الخريطة الزمنية عندما نحدد موعد بدء الدراسة؟

ربما لا، لكنها أول من يدفع ثمن أي تغيير في المواعيد. الأم التي ستستيقظ قبل الجميع، وتجهز أبناءها، وتتابع ملابسهم وطعامهم وحقائبهم، ثم تبدأ يومها في المنزل أو العمل، تعرف أن موعد المدرسة ليس مجرد رقم على ورقة. والأب الذي يحاول أن يوفق بين عمله ومواعيد أبنائه يعرف أن ساعة واحدة في الصباح قد تعني أزمة كاملة في المواصلات والطريق والعمل. والأسرة التي لديها أكثر من طفل في مراحل مختلفة لا تتعامل مع عام دراسي واحد، وإنما مع عدة جداول ومواعيد ومسؤوليات في وقت واحد.

لذلك، حين يعترض ولي الأمر، لا يصح أن نضع اعتراضه مباشرة في خانة الرغبة في الإجازة. هذا اختزال ظالم لمشكلة أكبر. ولي الأمر لا يقول لا نريد لأبنائنا أن يتعلموا. هو يقول نريد أن يتعلم أبناؤنا في ظروف أفضل

وهذا فرق كبير.

بل إن هناك اعتراضًا تربويًا يستحق التوقف أمامه فقد طالب الخبير التربوي الدكتور تامر شوقي بتأجيل بداية الدراسة إلى 19 سبتمبر بدلًا من 12 سبتمبر، مستندًا إلى عدة أسباب، من بينها ارتفاع درجات الحرارة في الأسبوع الثاني من سبتمبر، ورؤيته أن زيادة عدد أيام الدراسة لا تعني بالضرورة تحقيق جودة أعلى.

وهنا أجد السؤال أكثر إلحاحًا إذا كان الهدف هو تحسين التعليم، فلماذا لا يكون النقاش حول جودة الساعة التي يقضيها الطالب في المدرسة بدلًا من التركيز على إضافة أيام إلى التقويم؟

نحن أمام منظومة كاملة، ومشكلاتها ليست سرًا. هناك كثافات طلابية في بعض المدارس، وهناك تفاوت في الإمكانات، وهناك حاجة مستمرة إلى تطوير أداء المعلمين، وهناك فروق بين الطلاب في القدرات والاحتياجات، وهناك أعباء اقتصادية واجتماعية تضغط على الأسرة. فهل يكون الحل في النهاية أن نطلب من الطفل وقتًا أطول داخل المدرسة؟

التعليم لا يتحسن بمجرد أن نزيد الكمية إذا بقيت الجودة على حالها.

قد يجلس الطالب ست ساعات بدلًا من خمس، لكنه إذا كان مرهقًا فلن تتحول الساعة الإضافية إلى معرفة. وقد نضيف أسابيع إلى العام الدراسي، لكن إذا كانت الحصة نفسها تعاني من مشكلات في الكثافة أو الأدوات أو طرق التدريس، فلن تصنع الزيادة وحدها المعجزة التي ننتظرها.

نحن في حاجة إلى أن نعيد ترتيب الأولويات.

نحتاج إلى أن نسأل كيف نجعل المعلم أكثر قدرة على الشرح؟ كيف نقلل كثافة الفصول؟ كيف نجعل المدرسة بيئة جاذبة لا مكانًا يربط الطفل في ذهنه بالخوف والضغط؟ كيف نستفيد من التكنولوجيا والأنشطة؟ كيف نمنح الطالب فرصة للفهم بدلًا من الحفظ؟ وكيف نحول المدرسة من مكان يؤدي فيه الطفل واجبه إلى مكان يكتشف فيه نفسه وقدراته؟

هذه الأسئلة في رأيي أكثر أهمية من سؤال هل نستطيع أن نبدأ الدراسة قبل أسبوع؟

ثم يأتي عامل لا يمكن تجاهله الطقس.

نحن لا نتحدث عن بداية في أجواء خريفية باردة، وإنما عن سبتمبر، حيث يمكن أن تبقى درجات الحرارة مرتفعة. والطفل الذي يتحرك من منزله إلى المدرسة، ثم يقضي ساعات في اليوم الدراسي، ثم يعود إلى منزله في ظروف جوية مرهقة، ليس مجرد رقم في جدول. الظروف المحيطة بالتعليم تؤثر في القدرة على التركيز والأداء، ولذلك فإن مناقشة موعد البداية يجب أن تأخذ في الاعتبار الواقع المناخي، لا التقويم وحده.

وإذا كانت الوزارة تريد من الطلاب أفضل أداء، فمن حقنا أن نسألها هل هذا هو التوقيت الأكثر ملاءمة لتحقيق ذلك؟

أنا مع أولياء الأمور لأنني أرى أن صوتهم هنا ليس رفاهية، بل جزء من الحوار حول التعليم. ولي الأمر شريك في العملية التعليمية، وليس مجرد ممول للكتب والملابس والمواصلات. هو الشخص الذي يرى الطفل قبل المدرسة وبعدها، ويعرف متى يكون مرهقًا، ومتى يفقد تركيزه، ومتى يعود سعيدًا، ومتى يعود مستنزفًا.

ومن حق هذا الأب وهذه الأم أن يسألا.

ومن حقهما أن يعترضا.

ومن حقهما أيضًا أن يطالبا بأن يكون الطفل هو محور القرار.

وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن للوزارة مسؤولية ضخمة فهي مطالبة بتنظيم عام دراسي يضمن استكمال المناهج، ويحافظ على انتظام الدراسة، ويمنح المعلمين والطلاب الوقت الكافي. لكن المسؤولية لا تعني أن القرار يصبح فوق النقاش، ولا تعني أن الاعتراض عليه يتحول إلى اعتراض على التعليم نفسه.

القرارات التعليمية القوية لا تخشى الأسئلة.

بل إن قوة القرار تظهر عندما يستطيع صاحبه أن يسمع من يخالفه، ويدرس ملاحظاته، ويعدل ما يمكن تعديله إذا ثبت أن المصلحة تقتضي ذلك.

ولذلك، فإنني لا أطالب بإلغاء الخريطة الزمنية لمجرد أن هناك اعتراضًا، وإنما أطالب بأن يُؤخذ الاعتراض بجدية. وإذا كانت هناك حاجة حقيقية إلى زيادة أيام الدراسة، فلنبحث عن أفضل توزيع لها. وإذا كانت المناهج تحتاج إلى وقت أطول، فلنبحث في محتواها وطريقة توزيعها. وإذا كان الهدف هو رفع التحصيل، فلنبحث عن جودة التعليم قبل أن نبحث عن زيادة زمنه.

لأن الحقيقة التي يجب ألا نهرب منها هي أن الطفل لا يحتاج دائمًا إلى المزيد.

أحيانًا يحتاج إلى الأفضل.

يحتاج إلى معلم أفضل، وحصة أفضل، وفصل أقل ازدحامًا، وبيئة أكثر أمانًا، ونوم كافٍ، ووقت للعب، وأسرة أقل توترًا، ومدرسة لا تجعله يشعر منذ اليوم الأول بأنه دخل سباقًا جديدًا عليه أن يركض فيه حتى نهاية العام.

وإذا كان إصلاح التعليم يحتاج إلى وقت، فليكن الوقت جزءًا من الحل، لا الحل كله.

لقد آن الأوان أن نتوقف عن النظر إلى الطفل باعتباره الطرف الذي يمكنه دائمًا تحمل المزيد. نطلب منه أن يذاكر أكثر، ويحضر أكثر، ويختبر أكثر، ويحفظ أكثر، ثم نتساءل لماذا أصبح مرهقًا، ولماذا لم يعد يحب المدرسة كما كان، ولماذا أصبح التعليم عند بعض الأطفال مرتبطًا بالقلق أكثر مما هو مرتبط بالفضول والاكتشاف.

نحن نريد أبناءنا متفوقين، نعم، لكننا نريدهم أيضًا أصحاء نفسيًا، قادرين على النوم واللعب والضحك، قادرين على تكوين شخصية مستقلة، وعلى اكتشاف مواهبهم، وعلى أن يعيشوا طفولتهم قبل أن تنتهي.

فالطفولة ليست فترة فائضة عن الحاجة.

والإجازة ليست عدوًا للعلم.

والراحة ليست كسلًا.

وولي الأمر ليس عدوًا للوزارة.

كل ما يطلبه هو أن يُسمع صوته عندما يتعلق الأمر بأبنائه.

وربما تكون المشكلة الحقيقية أننا اعتدنا أن نقيس نجاح التعليم بالأرقام: عدد الأيام، وعدد الحصص، وعدد صفحات المنهج، وعدد الاختبارات. بينما ننسى الرقم الأهم الذي لا يظهر في أي تقرير: كم طفلًا دخل المدرسة وهو يحب أن يتعلم؟

كم طفلًا عاد إلى بيته وهو يشعر أن المدرسة أضافت إلى حياته شيئًا جميلًا؟

كم طفلًا استطاع أن يتعلم دون أن يخسر راحته وصحته النفسية؟

هذه هي الأسئلة التي يجب أن تؤرقنا.

أما أن نقول إن زيادة الأيام ستعني تلقائيًا تعليمًا أفضل، فهذه معادلة تحتاج إلى أكثر من مجرد قرار؛ تحتاج إلى دليل، وإلى تقييم حقيقي لما يحدث داخل المدرسة.

لذلك، فإن اعتراض أولياء الأمور على بدء الدراسة مبكرًا يستحق أن يسمع، لا أن يُختصر في رغبة عابرة في إطالة الإجازة. إنه اعتراض يفتح بابًا أكبر للسؤال عن فلسفة التعليم نفسها: هل نريد أن نملأ وقت الطفل، أم أن نستثمره؟

وأنا أختار أن نستثمره.

لأن الطفل حين يدخل المدرسة لا يحمل حقيبته وحدها؛ يحمل نومه، ومشاعره، وصحته، وطاقته، وقلقه، وفرحه، وظروف أسرته كلها معه.

فإذا أردنا تعليمًا ناجحًا، فعلينا أن نراه كاملًا، لا أن نراه طالبًا فقط.

قد تبدأ الدراسة في الثاني عشر من سبتمبر، وقد يصبح الموعد واقعًا لا يمكن تغييره، لكن النقاش الذي فتحه هذا الموعد يجب ألا ينتهي بانطلاق أول طابور صباحي. علينا أن نستمر في السؤال عن جودة التعليم، وعن ظروف الطلاب، وعن الأسرة، وعن المعلم، وعن المدرسة، وعن كل ما يجعل سنوات الطفل الدراسية سنوات بناء لا سنوات استنزاف.

لأن القضية في النهاية ليست متى نفتح أبواب المدارس، وإنما ماذا نريد أن يجد أطفالنا خلف هذه الأبواب.

نريد علمًا، نعم.

لكننا نريد معه إنسانًا سويًا.

نريد التفوق، لكن لا نريده على حساب الطفولة.

نريد أيامًا دراسية كافية، لكننا نريد قبلها تعليمًا يستحق هذه الأيام.

ولهذا، حين يقول أولياء الأمور: «الدراسة بدأت مبكرًا»، لا ينبغي أن يكون الرد: أنتم تعترضون على التعليم.

فالرسالة الحقيقية مختلفة تمامًا:

نحن لا نعترض على أن يتعلم أبناؤنا، نحن نعترض على أن يصبح الوقت وحده هو الحل.

وربما يكون هذا هو السؤال الذي يستحق أن نبدأ به العام الدراسي كله

متى نبدأ فعلًا في إصلاح التعليم؟

 

زر الذهاب إلى الأعلى