الملك فاروق قبل ثورة 23 يوليو.. هل ظلم التاريخ آخر ملوك مصر؟.
الملك فاروق قبل ثورة 23 يوليو.. هل ظلم التاريخ آخر ملوك مصر؟
بقلم: ممدوح عكاشة
بعد مرور أكثر من سبعين عامًا على ثورة 23 يوليو 1952، لا يزال الجدل قائمًا حول شخصية الملك فاروق، آخر ملوك مصر. فبينما رسخت الرواية الرسمية لعقود طويلة صورة الملك باعتباره رمزًا للفساد والانحلال، يرى عدد من المؤرخين والباحثين أن تلك الصورة تحتاج إلى مراجعة، وأن الحكم على تلك الحقبة يجب أن يستند إلى الوثائق والوقائع، لا إلى رواية واحدة.
تولى الملك فاروق الحكم عام 1936، وكانت مصر آنذاك دولة تمتلك مؤسسات دستورية، وحياة حزبية، وصحافة نشطة، وجامعات عريقة، كما كانت القاهرة والإسكندرية من أبرز العواصم الثقافية والاقتصادية في الشرق الأوسط. ورغم استمرار الاحتلال البريطاني ونفوذه، فإن مصر كانت تشهد حراكًا سياسيًا واقتصاديًا لا يمكن إنكاره.
ومن أبرز ما يستشهد به المدافعون عن العهد الملكي قوة الاقتصاد المصري آنذاك، فقد كان الجنيه المصري من أقوى العملات في المنطقة، ويتمتع بقيمة مرتفعة واستقرار كبير، مدعومًا باحتياطي الذهب، وازدهار صادرات القطن التي كانت تمثل العمود الفقري للاقتصاد المصري. كما كانت مصر تُصدر منتجاتها الزراعية إلى العديد من دول العالم، وامتلكت قاعدة صناعية وتجارية آخذة في النمو.
لكن، في المقابل، لم يكن ذلك العهد خاليًا من المشكلات، فقد عانت البلاد من تفاوت كبير في توزيع الثروة، وهيمنة كبار ملاك الأراضي على مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، فضلًا عن عدم الاستقرار السياسي، وتكرار تغيير الحكومات، واستمرار النفوذ البريطاني، وهي عوامل ولدت حالة من الغضب داخل قطاعات واسعة من الشعب والجيش.
وجاءت هزيمة حرب فلسطين عام 1948 لتزيد من الاحتقان الشعبي، حيث تعرض النظام الملكي لانتقادات حادة بسبب أداء الدولة في الحرب، وما أثير آنذاك من اتهامات بالفساد وسوء الإدارة، وهي أمور لا يزال المؤرخون يناقشون تفاصيلها حتى اليوم.
وعندما تحرك تنظيم الضباط الأحرار في يوليو 1952، لم يأمر الملك فاروق الجيش بمواجهة المصريين، ولم تدخل البلاد في حرب أهلية أو صدام دموي. فقد قبل التنازل عن العرش لنجله الأمير أحمد فؤاد، وغادر مصر على متن اليخت الملكي “المحروسة”، في مشهد اعتبره كثير من المؤرخين خطوة جنبت البلاد إراقة الدماء.
إلا أن المرحلة التي أعقبت الثورة شهدت بناء رواية رسمية ركزت بشكل كبير على سلبيات العهد الملكي، وارتبط اسم الملك فاروق في كثير من الأعمال الإعلامية والدرامية بالبذخ والفساد، بينما يرى عدد من الباحثين أن هذه الصورة لم تُبرز جميع جوانب المرحلة، وأنها تأثرت بالسياق السياسي الذي سعى إلى ترسيخ شرعية النظام الجديد.
ولا يمكن إنكار أن ثورة يوليو حققت إنجازات مهمة، مثل الإصلاح الزراعي، وتأميم قناة السويس، وبناء السد العالي، وتوسيع فرص التعليم، لكنها شهدت أيضًا إلغاء التعددية الحزبية، وفرض قيود على الحياة السياسية والصحافة، وهي أمور أصبحت جزءًا من النقاش التاريخي حول تلك المرحلة.
أما فيما يتعلق بالاقتصاد، فقد شهدت مصر بعد الثورة تحولات كبيرة، ثم واجهت تحديات متعاقبة، منها الحروب، والتضخم، وتغير السياسات الاقتصادية، وارتفاع عدد السكان، مما انعكس على قيمة الجنيه المصري وقوته الشرائية عبر العقود. ولهذا، فإن المقارنة بين قوة الجنيه قبل الثورة ووضعه الحالي تحتاج إلى فهم اختلاف الظروف التاريخية والاقتصادية، ولا تكفي وحدها للحكم على نجاح أو فشل أي مرحلة.
إن إعادة قراءة تاريخ الملك فاروق لا تعني تبرئة عهده من الأخطاء، كما أن تقدير إنجازات ثورة يوليو لا يقتضي تجاهل سلبياتها. فالتاريخ لا يُكتب بالأبيض والأسود، بل هو مزيج من النجاحات والإخفاقات، والإنصاف يقتضي الاعتراف بالأمرين معًا.
لقد آن الأوان لأن نقرأ تاريخنا بعين الباحث، لا بعين المتحيز؛ فالوطن لا يخسر عندما نراجع ماضيه بصدق، بل يزداد قوة عندما نعترف بأن الحقيقة التاريخية أوسع من أي رواية واحدة، وأن الإنصاف هو الطريق الأقرب لفهم ما جرى، بعيدًا عن التقديس أو التشويه.





