الدين و الحياةمقالات

المولد النبوي الشريف… حين وُلد الهدى وأشرقت الحياة 

المولد النبوي الشريف… حين وُلد الهدى وأشرقت الحياة

 

​بقلم أ/ هبة شاهين – الإسكندرية

​تعجز الكلمات حين نحاول أن نصف خير البشر، محمدًا ﷺ؛ فكيف تستطيع الكلمات أن تحيط بمقام من قال الله تعالى فيه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾؟

​وفي ذكرى المولد النبوي الشريف، لا ينبغي أن يكون احتفالنا مجرد مناسبة تتكرر كل عام، ولا أن تنحصر محبتنا في كلمات المدح والقصائد، وإنما أن تكون فرصة لاستعادة المعنى الحقيقي لميلاد النور؛ ميلاد الرسالة التي نقلت الإنسان:

​من ظلمات الجهل إلى نور الإيمان،

¤ ​ومن العصبية إلى الأخوة،

¤ ​ومن القسوة إلى الرحمة،

¤ ​ومن الفوضى الأخلاقية إلى منظومة من القيم جعلت للإنسان كرامة وللحياة معنى.

​وما أروع ما قال أمير الشعراء أحمد شوقي:

وَكُلُّ النَّاسِ تُولَدُ ثُمَّ تَفْنَى … وَوَحْدَكَ أَنْتَ مِيلَادُ الحَيَاةِ

وَكُلُّ النَّاسِ تُذْكَرُ ثُمَّ تُنْسَى … وَذِكْرُكَ أَنْتَ بَاقٍ فِي الصَّلَاةِ

تُرَدِّدُهُ المَآذِنُ كُلَّ وَقْتٍ … وَيَنْبَضُ بِالقُلُوبِ إِلَى المَمَاتِ

​فميلاد النبي محمد ﷺ لم يكن ميلاد شخص فحسب، بل كان ميلاد مرحلة فارقة في تاريخ الإنسانية؛ إذ حمل معه رسالة أعادت ترتيب علاقة الإنسان بربه، وبنفسه، وبالآخرين.

​ويواصل شوقي تصوير أثر الرسالة فيقول:

أَتَيْتَ سَنًا وَلَيْلُ الكَوْنِ دَاجٍ … وَبَعْدَ الوَأْدِ أَحْيَيْتَ البَنَاتِ

وَفَاحَ المِسْكُ أَنَّى كُنْتَ تَمْشِي … وَوَجْهُكَ نُورُهُ عَمَّ الجِهَاتِ

​لقد جاء الإسلام في بيئة عرفت صورًا من الظلم الاجتماعي، فجاء النبي ﷺ ليضع الرحمة في موضع القوة، والعدل في موضع الحكم، والكرامة في موضع الإنسان. ولذلك لم تكن عظمة النبي ﷺ في كثرة ما قيل فيه فقط، وإنما في عظمة ما تركه في الإنسان؛ قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾.

​وهنا يكمن المعنى الذي يجب ألا نفقده في زحام الاحتفال بالمولد: هل نحتفل بميلاد النبي ﷺ بالكلمات، أم نُحيي سنته في سلوكنا؟ فمحبة النبي ليست قصيدة نرددها، ولا مظهرًا نكتفي به، وإنما صدقٌ وأمانةٌ ورحمةٌ وعفوٌ وحسنُ خلق.

​وقد عبّر حسان بن ثابت رضي الله عنه عن محبته بأبيات أصبحت من أشهر ما قيل في شمائل النبي ﷺ:

وَأَجْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَرَ قَطُّ عَيْنِي … وَأَطْيَبُ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النِّسَاءُ

خُلِقْتَ مُبَرَّأً مِنْ كُلِّ عَيْبٍ … كَأَنَّكَ قَدْ خُلِقْتَ كَمَا تَشَاءُ

​إنها محبة لا تحتاج إلى مبالغة؛ فخير ما نقدمه للنبي ﷺ أن نُثبت صدق محبتنا له في أخلاقنا: أن نكون رحماء حين نستطيع القسوة، صادقين حين يكون الكذب أسهل، أمناء حين لا يراقبنا أحد، عافين حين يكون الانتقام ممكنًا، ومُحسنين إلى من لا يستطيع رد الإحسان.

​فكم من إنسان يكثر من الحديث عن السيرة، لكنه ينسى الرحمة في بيته؟ وكم من شخص يردد الصلاة على النبي، لكنه يظلم من حوله؟ وكم من مظاهر للمحبة تحتاج أن تتحول من الاحتفال إلى الاقتداء؟

​وهنا يصبح المولد النبوي الشريف مناسبة لمراجعة النفس، لا مجرد ذكرى في التقويم؛ نحتاج أن نسأل أنفسنا: ماذا بقي من أخلاق المصطفى ﷺ في تعاملاتنا اليومية؟ ماذا تعلمنا من رحمته بالصغير، وإكرامه للكبير، ورعايته للضعيف، وعدله مع المخالف، وحفظه للحقوق؟

​إن أعظم احتفال بميلاد النبي ﷺ أن يولد فينا خلق جديد؛ أن يولد الصدق في معاملاتنا، والرحمة في بيوتنا، والتسامح في علاقاتنا، والإحسان في أعمالنا، والضمير في قراراتنا. فالنبي ﷺ لم يأتِ ليغير الكلمات فقط، بل ليغير الإنسان.

​وفي زمان تزداد فيه القسوة، وتعلو فيه أصوات الكراهية والانقسام، تظل السيرة النبوية مدرسة مفتوحة تعلمنا أن قوة الإنسان الحقيقية ليست في قدرته على إيذاء الآخرين، وإنما في قدرته على ضبط نفسه، والرحمة بمن حوله، والتمسك بالحق دون ظلم.

​سلامٌ عليك يا رسول الله يوم وُلدت، ويوم حملت الرسالة، ويوم أديت الأمانة، ويوم تركت للأمة قرآنًا وسنةً وسيرةً تهدي القلوب إلى الخير.

وفي المولد النبوي الشريف، لا يكفي أن نقول: “نحبك يا رسول الله”، بل لنجعل سلوكنا يقولها عنا.

​فكل عام ونحن أقرب إلى أخلاقه، وأصدق في اتباع سنته، وأكثر رحمةً بالخلق، وأعمق فهمًا لمعنى الرسالة التي جاء بها.

​اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وكل عام ومصر وأهلها بخير وأمن وسلام.

زر الذهاب إلى الأعلى