أدب وثقافةقصص قصيرة

الوجه الآخر. قصة قصيرة بقلم / محمود سعيد

الوجه الآخر

 

بقلم / محمود سعيد

في القاهرة، لم يعد المال يُخزَّن داخل خزائن حديدية، ولم تعد الثروة تُقاس بعدد الأفدنة والقصور فقط. أصبح للمال وجه آخر لا يراه الناس؛ حسابات إلكترونية، أسهم، شركات مسجلة بأسماء مختلفة، عقود لا يعرف بها إلا أصحابها، ومفاتيح رقمية يمكن أن تفتح أبوابًا أكبر من أبواب القصور.

وفي وسط هذا العالم كان مراد السيوفي يعيش آخر أيام حياته وهو يعرف شيئًا واحدًا: أن أكبر خطر على إمبراطوريته لم يكن المنافسين، بل عائلته.

كان مراد في الثانية والستين، رجلًا بدأ حياته موظفًا بسيطًا ثم تحول خلال ثلاثين عامًا إلى صاحب مجموعة اقتصادية ضخمة تمتلك شركات في التجارة والتكنولوجيا والتوريد والاستثمار.

لكن النجاح الذي صنعه لم يمنحه الراحة.

ففي كل ليلة تقريبًا، كان يستيقظ من نومه ويفتح درج مكتبه، ثم يخرج صورة قديمة لامرأة شابة تحمل طفلًا.

كان الطفل يوسف.

ابنه الذي لم يعرفه.

وكانت المرأة مريم، المرأة التي أحبها قبل أن يتزوج ليلى.

لم تكن ليلى تعرف كل شيء.

أو هكذا كان مراد يعتقد.

في تلك الليلة، جلس مراد أمام مكتبه وفتح ملفًا أسود.

كان بداخله عقد قديم، وشهادة ميلاد، وصورة، ومفتاح إلكتروني صغير.

كتب على الورقة الأولى:

“إذا وصلت هذه الأوراق إلى يوسف، فقد حان الوقت ليعرف الحقيقة.”

ثم توقف.

سمع صوتًا خلف الباب.

أغلق الملف بسرعة.

دخلت ليلى.

قالت:

— لسه صاحي؟

— عندي شغل.

اقتربت منه.

— الشغل ولا الماضي؟

نظر إليها.

لم يجب.

قالت:

— أنا عارفة إنك رجعت تفتح الملفات القديمة.

ابتسم مراد بمرارة.

— الماضي عمره ما اتقفل يا ليلى.

قالت:

— لو فتحته، مش هيتقفل تاني.

نظر إليها طويلًا.

ثم قال:

— يمكن ده اللي لازم يحصل.

خرجت ليلى.

لكنها لم تكن تعرف أن مراد اتخذ قراره بالفعل.

في صباح اليوم التالي، تلقى يوسف اتصالًا غريبًا.

كان يعيش في شقة صغيرة في مدينة نصر، ويعمل مهندس برمجيات عن بُعد. لم يكن يعرف شيئًا عن عالم رجال الأعمال، ولم يكن يهتم به.

عندما سمع اسم مراد السيوفي، شعر بشيء غريب.

كان الاسم مألوفًا.

ليس لأنه يعرف الرجل، وإنما لأن أمه كانت قد ذكرته مرة قبل وفاتها.

كانت مريم قد ماتت قبل ثلاث سنوات.

وفي آخر أيامها، قالت له:

— لو حد اسمه مراد السيوفي دخل حياتك، متصدقش أول حاجة تسمعها عنه.

سألها وقتها:

— مين مراد؟

أجابته:

— أبوك.

كان يعتقد أنها تهذي بسبب المرض.

 

زر الذهاب إلى الأعلى