الدين و الحياة

الوقت… نعمة لا نشعر بقيمتها إلا حين تنتهي

الوقت… نعمة لا نشعر بقيمتها إلا حين تنتهي

 

بقلم: نجوى نصر الدين

من أعظم النعم التي يعيش الإنسان في ظلالها كل يوم، ثم ينسى قيمتها، نعمة الوقت.

فالوقت ليس مجرد ساعات تمر، ولا عقارب تتحرك على جدار الساعة؛ إنما هو العمر نفسه، والفرص التي يمنحها الله لنا كي نعمل، ونتعلم، ونصلح، ونعتذر، ونبدأ من جديد.

ولأن الإنسان لا يملك من عمره إلا اللحظة التي يعيشها، أقسم الله تعالى بالزمن فقال:

﴿وَالْعَصْرِ ۝ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾.

وكأن الآية تلفت انتباهنا إلى حقيقة شديدة الوضوح وعميقة الدلالة:

أن الإنسان يخسر شيئًا من عمره مع كل لحظة تمر، ما لم يحوّلها إلى قيمة أو عمل أو أثر.

نحن كثيرًا ما نقول: «سأفعل ذلك غدًا»، وكأن الغد ملك أيدينا.

نؤجل القراءة، والتعلم، والإصلاح، وصلة الرحم، والاعتذار، وتحقيق الأحلام، ثم نكتشف فجأة أن سنوات طويلة مرت دون أن نشعر.

والحقيقة أننا لا نقتل الوقت كما نقول أحيانًا، وإنما نستهلك جزءًا من أعمارنا.

قد يقضي الإنسان ساعات طويلة أمام هاتفه، ينتقل من صورة إلى أخرى، ومن مقطع إلى آخر، ثم يرفع رأسه وقد مضى يوم كامل دون أن يضيف إلى نفسه علمًا أو تجربة أو أثرًا.

ليس الهاتف هو المشكلة، ولا وسائل التواصل في ذاتها؛ وإنما المشكلة حين تتحول الوسيلة إلى سارق للانتباه والعمر.

فالوقت يمكن أن يكون بابًا للعلم، أو بابًا للإنجاز، أو بابًا للراحة المشروعة، لكنه قد يتحول أيضًا إلى فراغ يبتلع صاحبه إذا عاش بلا هدف.

ولهذا قال النبي ﷺ:

«اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك».

في هذه الكلمات النبوية دعوة عظيمة إلى اغتنام الفرص قبل أن تتحول إلى ذكريات.

اغتنم شبابك قبل أن يصبح صورة قديمة في ذاكرتك.

اغتنم صحتك قبل أن تعرف قيمة الجسد الذي كنت تظنه أمرًا عاديًا.

اغتنم فراغك قبل أن تزدحم عليك المسؤوليات.

واغتنم حياتك قبل أن ينتهي الوقت الذي لا يمكن استعادته.

ومن أخطر ما يواجه الإنسان الفراغ الذي لا هدف له؛ فالإنسان إذا لم يجد ما يشغل عقله بما ينفع، قد يبحث عما يشغله ولو كان يضره.

ولهذا قيل:

«نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل».

إن الفراغ ليس دائمًا راحة؛ فقد يكون مساحة مفتوحة للقلق، والعبث، والعادات السيئة، والصحبة غير الصالحة، والإدمان على ما يسرق العمر دون أن يمنح الإنسان شيئًا حقيقيًا.

لذلك لا تسأل نفسك فقط:

كم من الوقت أملك؟

بل اسأل سؤالًا أعمق:

ماذا فعلت بالوقت الذي أملكه؟

فما مضى لن يعود، وما بقي لا نعرف مقداره.

وقد يكون أجمل ما نفعله في نهاية كل يوم أن نجلس لحظات مع أنفسنا، لا لنجلدها على ما فات، وإنما لنحاسبها بحكمة:

ماذا تعلمت اليوم؟

من أسعدت؟

ما العمل الذي أنجزته؟

ما الخطأ الذي أستطيع إصلاحه؟

وهل تركت في هذا اليوم أثرًا يجعلني أشعر أنني لم أعشه عبثًا؟

إن الإنسان لا يحتاج إلى أن يملأ كل دقيقة بالعمل؛ فالراحة، والتأمل، والجلوس مع الأسرة، والاستمتاع بما أحل الله، كلها أوقات لها قيمتها.

لكن الفارق أن تكون أنت من يختار كيف يعيش وقته، لا أن يختار الآخرون والمنصات والإشعارات كيف تستهلكه.

تذكر دائمًا أن حياتك ليست عدد السنوات التي عشتها، وإنما الأثر الذي تركته تلك السنوات فيك وفيمن حولك.

فلا تؤجل الحياة إلى الغد، ولا تؤجل الخير إلى وقت لا تعرف هل يأتي أم لا.

ابدأ بما تستطيع اليوم، ولو كان صغيرًا.

اقرأ صفحة.

تعلم شيئًا.

أنجز مهمة.

سامح من تستطيع مسامحته.

اعتذر إن أخطأت.

ساعد إن استطعت.

وادعُ الله بقلب حاضر.

فالأعمار لا تُقاس بطولها وحده، وإنما بما امتلأت به من معنى.

الوقت لا ينتظر أحدًا…

فإذا مرّت اللحظة، أصبحت ماضيًا، وإذا مضى اليوم، أصبح ذكرى، وإذا مضى العمر، لم يبقَ للإنسان إلا ما قدّمه فيه.

فاحفظ وقتك؛

لأنك في الحقيقة لا تحفظ ساعاتك…

بل تحفظ شيئًا من عمرك لا يمكن أن يعود

زر الذهاب إلى الأعلى