مقالات

الِانْتِحَارُ… هَلْ يُنْهِي الْأَلَمَ أَمْ يَبْدَأُ حِسَابًا آخَرَ؟

الِانْتِحَارُ… هَلْ يُنْهِي الْأَلَمَ أَمْ يَبْدَأُ حِسَابًا آخَرَ؟

دعاء شعبان

فِي لَحْظَةِ يَأْسٍ، قَدْ يَظُنُّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الِانْتِحَارَ هُوَ الْمَخْرَجُ الْوَحِيدُ، وَأَنَّهُ سَيُنْهِي كُلَّ مَا يُثْقِلُ الْقَلْبَ مِنْ هُمُومٍ وَآلَامٍ. وَلَكِنَّ الْحَقِيقَةَ أَنَّ الْإِسْلَامَ جَعَلَ النَّفْسَ أَمَانَةً، وَحَرَّمَ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَعْتَدِيَ عَلَيْهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾.

 

وَيَبْقَى السُّؤَالُ الَّذِي يَتَرَدَّدُ كَثِيرًا: هَلِ الْمُنْتَحِرُ كَافِرٌ؟

 

يَرَى جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الِانْتِحَارَ كَبِيرَةٌ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، وَلَكِنَّهُ لَا يُخْرِجُ الْمُسْلِمَ مِنَ الْإِسْلَامِ بِمُجَرَّدِ ارْتِكَابِهِ، مَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِمَا يَقْتَضِي الْكُفْرَ. وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ التَّسَرُّعُ فِي تَكْفِيرِ مَنْ مَاتَ مُنْتَحِرًا، فَالْحُكْمُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِعِبَادِهِ وَأَرْحَمُ بِهِمْ.

 

وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذَا لَا يُهَوِّنُ مِنْ خُطُورَةِ الِانْتِحَارِ، فَقَدْ جَاءَتِ النُّصُوصُ الشَّرْعِيَّةُ بِالتَّحْذِيرِ الشَّدِيدِ مِنْهُ، لِمَا فِيهِ مِنَ الِاعْتِدَاءِ عَلَى النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ قَتْلَهَا.

 

وَفِي وَاقِعِنَا الْيَوْمَ، لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ عَنِ الِانْتِحَارِ حَدِيثَ أَحْكَامٍ فَقَطْ، بَلْ حَدِيثَ رَحْمَةٍ أَيْضًا. فَكَثِيرٌ مِمَّنْ يُفَكِّرُونَ فِيهِ يَعِيشُونَ صِرَاعًا نَفْسِيًّا مُؤْلِمًا، وَيَحْتَاجُونَ إِلَى مَنْ يَسْمَعُهُمْ، وَيُسَانِدُهُمْ، وَيُعِينُهُمْ عَلَى الْوُصُولِ إِلَى الْعِلَاجِ وَالدَّعْمِ.

 

إِنَّ نَشْرَ الْوَعْيِ، وَالِاهْتِمَامَ بِالصِّحَّةِ النَّفْسِيَّةِ، وَالْوُقُوفَ إِلَى جَانِبِ مَنْ يُعَانُونَ، قَدْ يَكُونُ سَبَبًا فِي إِنْقَاذِ حَيَاةِ إِنْسَانٍ.

 

فَالْحَيَاةُ، مَهْمَا اشْتَدَّتْ قَسْوَتُهَا، قَدْ تَتَغَيَّرُ، وَالْيَأْسُ لَيْسَ نِهَايَةَ الطَّرِيقِ، وَالْفَرَجُ قَدْ يَأْتِي فِي وَقْتٍ لَا يَتَوَقَّعُهُ الْإِنْسَانُ.

زر الذهاب إلى الأعلى