مقالاتمنوعات

امرأة تبحث عن الاحتواء بقلم: حسين عبيد

امرأة تبحث عن الاحتواء

 

بقلم: حسين عبيد

كاتب صحفي وباحث قانوني واقتصادي

في ظل ظروف الحياة المتسارعة، ومعركة البحث اليومية عن متطلبات الأسرة، ينشغل الرجل شيئًا فشيئًا بتدبير شؤون المعيشة، والسعي لتوفير الاحتياجات الأساسية، حتى يجد نفسه بعيدًا عن زوجته رويدًا رويدًا، ليس بالضرورة لأنه لم يعد يحبها، وإنما لأن أعباء الحياة استحوذت على جانب كبير من وقته وتفكيره.

وفي المقابل، تجد الزوجة نفسها محاصرة بين جدران المسؤوليات المنزلية، وتربية الأبناء، وإعداد الوجبات، ومتابعة تفاصيل الحياة اليومية، بينما يتراجع حضور الزوج العاطفي والنفسي في حياتها، حتى تصبح اللغة المشتركة بينهما مجرد قائمة من الطلبات والالتزامات: ماذا نشتري؟ ماذا نحتاج؟ وما الذي ينقص الأسرة؟

وهنا تبدأ المسافة في الاتساع، ليس بين جدران المنزل، وإنما بين قلبين يعيشان تحت سقف واحد.

فالمرأة لا تبحث دائمًا عن هدية أو نزهة أو كلمات غزل، بقدر ما تبحث عن عين ترى تعبها، وأذن تسمع شكواها، وقلب يشعر بما تخفيه خلف ابتسامتها. إنها تبحث عن الاحتواء، ذلك الشعور الذي يجعلها مطمئنة بأنها ليست وحدها في مواجهة الحياة.

ومع اتساع عالم التواصل الاجتماعي، وتعدد وسائل التعارف والحديث، قد يجد بعض الأزواج والزوجات أنفسهم أمام أبواب مفتوحة لنفوس لا تبحث إلا عن استغلال لحظات الضعف والفراغ العاطفي. وهنا تكمن الخطورة؛ فقد يبدأ الأمر بكلمة مواساة أو اهتمام عابر، ثم يتطور إلى مساحة من التعلق العاطفي خارج إطار الأسرة.

ولا يكون الضحية في النهاية رجلًا أو امرأة فقط، بل قد تكون الأسرة بأكملها، حين تتصدع أعمدتها ويضيع الاستقرار الذي بُني عبر سنوات من العشرة والكفاح.

وهنا يطرح السؤال نفسه: هل بحث المرأة عن الاحتواء من زوجها أمر مشروع؟

نعم، بل هو حق إنساني وعاطفي مشروع، لا ينتقص من رجولة الزوج ولا يقلل من قيمة ما يتحمله من أعباء وضغوط. فالزوج الذي يسعى لتوفير احتياجات أسرته يحتاج هو الآخر إلى التقدير والاحتواء، كما تحتاج زوجته إلى الاهتمام والطمأنينة.

لكن على الزوجة أيضًا أن تدرك أن زوجها قد يكون مثقلًا بهموم لا يتحدث عنها، وأن صمته ليس دائمًا دليلًا على غياب الحب، فقد يكون أحيانًا تعبيرًا عن عجزه عن مواجهة المزيد من الضغوط.

إن ترميم ما أفسدته الأيام لا يكون بالعتاب وحده، ولا بالانسحاب والصمت، وإنما بالحوار الصادق، والاهتمام المتبادل، واستعادة التفاصيل الصغيرة التي صنعت يومًا دفء العلاقة بينهما.

فالزواج ليس مجرد سقف يجمع رجلًا وامرأة، ولا عقدًا ينظم الحقوق والواجبات، بل هو مودة ورحمة وشراكة في مواجهة الحياة.

فلا تجعلوا ضغوط الحياة تسرق منكم أجمل ما فيها، ولا تسمحوا للمسافات العاطفية أن تهدم بيتًا تعبتم كثيرًا في بنائه.

فربما كل ما تحتاجه امرأة تبحث عن الاحتواء ليس أكثر من زوج يقترب منها، ينصت إليها، ويقول لها: أنا هنا… ولسنا وحدنا في هذه الحياة.

زر الذهاب إلى الأعلى