أدب وثقافةقصص قصيرة

بائع الوقت… قصة قصيرة للكاتبة / غادة عثمان

بائع الوقت…

 

بقلم/ غادة عثمان

 

في مدينةٍ بعيدة، غارقةٍ في الظلام، جلس شيخٌ هَرِم، حفرت السنين على وجهه أخاديد غائرة، وكلُّ عامٍ مضى خلّف عليه أثرًا لا يُمحى. انسدلت خصلاته البيضاءُ كوميضِ قمرٍ خافت، وانحنى ظهرُه تحت عبء السنين.

جسده مشبعٌ بآثام الآخرين، وروحه سِجِلٌّ للأوجاع العابرة. أمامه طاولة خشبية عتيقة، داكنة اللون، تسلّلت على أطرافها شقوق دقيقة، وتشبّعت حوافها بنقوش غريبة — طلاسم متشابكة، هي بقايا لغة منسية اندثرت مع الزمن. وعلى سطحها تجلّى أثر الأيام، فغدت شاهدًا صامتًا على سرّ لم يُفصح عنه أحد .

وعلى بُعد خطواتٍ من الطاولة امتدَّ صفٌّ طويلٌ من الرجال والنساء، تتأرجح نظراتُهم بين الطمع والتوجس، الخوف والرجاء. كانوا يتوافدون إليه كالسيل الجارف؛ يخرج بعضهم وقد تقلَّصت أعمارهم، فتتلاشى تجاعيدهم، ويغدو الزمن عليهم أكثر لطفًا، بينما يرحل آخرون مثقلين بأعوامٍ لم  يختبروها، وأكتافهم محنية تحت وطأة دقائقَ لم تكن لهم. الأثقال التي أُضيفت إلى أعمارهم كبّلتهم بأغلالٍ خفيّة.

لم يكن الشيخ دجّالًا ولا عرّافًا يعبثُ بنسيج الأقدار، لكنه كان تاجرًا في أثمن ما لا يُشترى: الوقت

عند نهاية الصفّ الطويل، وقفت امرأة يسدل على كتفيها وشاح أسود تفوح منه رائحة المطر. الحزن يفيض منها بهدوءٍ صاخب. بدا جسدها واهنًا، لا بسبب تعب الطريق، وإنما ألم في قلبها يتنامى مع كل شهيق وزفير؛ وجعٌ يتربص بها من عمق لا تبلغه يد. عيناها الذابلتان ظلّتا معلقتين بالشيخ، لا تطلب مالًا، ولا تسعى إلى مجد؛ فقط تفتّش في ملامحه عن شيء أهم من أي رغبة… عن فرصة للعودة.

وحين تقدَّمَ دورُها، رفع العجوز بصره نحوها بعينين فارغتين كقاع بئر نضب ماؤه، وتسلل صوتهُ بخفوتٍ مُريب:

— إلى أيِّ زمانٍ تبتغي الرجوع؟.

رفعت رأسها ببطء، الكلماتُ تتقاطرُ من بين شفتيها، كما لو أنها تنحتها من صخرةٍ عصيّةٍ على التشكل، كلُّ حرفٍ يخرجُ منها يخلّف وراءه ندبةً في الهواء:

— يومٌ واحد… لا أكثر.

— ولماذا؟

بصوتٍ مرتعش، همست:

— ابنتي… سقطت من الشرفة، ولم أبلغها في الوقت المناسب. لا أبتغي العودة لإنقاذها، فأنا أدركُ أن العبثَ بالأقدار جرمٌ لا يُغتفر في شريعة بيع الوقت. أريدُ فقط… ألا تلفظ أنفاسها الأخيرة وحدها.

كان صوتها هشًا، يتأرجح بين الرجاء واليأس. لم تكن تطلب معجزة، بل كانت تبحث عن لحظة أخيرة… فرصة واهية لتُمسك بيد ابنتها قبل أن يُطبق الظلام عليها.

ظل الشيخ جامدًا، وجهه صلد كالصخر، لا ينضح بأي انفعال.

هذا المشهد تكرّر أمامه مرارًا، حتى غدا جزءًا رتيبًا من إيقاع يومه. لم ترمش عيناه، ولم ترتجف شفتاه؛ الأحزان والتوسّلات صارت عنده لغة صامتة، فقدت تأثيرها عليه منذ زمن بعيد. ثم بصوت بارد، جاف، خالٍ من أي تعاطف، قال:

—  وهل تعلمين الثمن؟

رفعت رأسها ببطء، نظرتها خاوية؛ كلمات الشيخ ارتطمت بجدران عقلها دون أن تترك أثرًا. التفكير نفسه بدا ترفًا لا وقت له. حدّقت فيه بذهولٍ أقرب إلى الغياب، ثم همست، بصوت واهن بالكاد غادر شفتيها:

— الثمن؟

أمال رأسه قليلًا، وعيناه الحادتان غرستا نظراتهما في وجهها؛ لم يكتفِ بتتبّع ارتباك ملامحها، بل تسلّل خلف عينيها، يتقصّى جرحًا عميقًا، يبحث عن رجاء دفين توهّمت أنه عصيّ على الانكشاف. ثم، وبهدوء تنطوي عليه قسوة باردة، قال:

— حلمكِ

بالبقاء شابة… أن تظلّ نضارة وجهكِ مشرقة، وألا يخبو بريق عينيكِ مع مرور السنين، أن تبقى ملامحكِ بمنأى عن عبث الزمن… صحتكِ، تلك التي تظنين أنه حصنًا منيعًا، هي الثمن.

ارتعشت شفتاها؛ وتسرب خدرٌ غامض إلى عظامها. للحظة، تراءى لها الزمن واقفًا خلف كتف الشيخ إذ ترصدها بصمت وهو ينتظر اللحظة التي يُبرم فيها الاتفاق، مستعدًا للانقضاض على ما تبقّى منها.

ساد الصمت. العالم تجمّد في لحظة، لا صوت، لا حركة، حتى الهواء توقّف عن المرور.

ثم، بصوت أجشّ، غريب، لا يشبهها، همست: – موافقة.

ببطء، مدّ يده المترهّلة كجذور شجرة هرِمة، وفتح درج الطاولة.

انبعث صوت خشب متهالك – الدرج لم يُفتح منذ قرون.

أخرج منه صندوقًا خشبيًّا صغيرًا، تحيط به نقوش غريبة تتلوّى كالأفاعي، لا تنتمي إلى زمنٍ معروف.

فتح الشيخُ الصندوق، وفي داخله تجلّت ساعة رمليّة… رمالها لا تهبط، بل تنساب صعودًا، تتحدّى قوانين الجاذبية، حتى بدا الزمن نفسه يعيد تشكيل حدوده داخل هذا الصندوق الغامض.

ثبتت عيناه على حركتها، والرمال ترتفع بإيقاعٍ خفي، رقصة على موسيقى صامتة لا يسمع لحنها سواه . ثم قال بصوت أجوف، يحمل صدى بعيد:

– هذه الساعة ستُعيدكِ إلى اليوم الذي تريدينه… لكن تذكّري كل لحظة تُبدّلينها تُغيّر ما يليها. الزمن لا يمنح هداياه بلا مقابل.

ثم أغلق الصندوق ببطء، وصوت انطباق الغطاء بدا إعلانًا صامتًا بأن الخيارات قد وُضعت أمامها، وأن الخطوة التالية… ستُكلّفها أكثر مما تحتمل.

أومأت برأسها ببطء، وفي عينيها يقينٌ لا تُجدي أمامه أي تحذيرات. لم تُبدِ اهتمامًا لكلمات الشيخ، وصوته انحسر إلى مجرد همسٍ تائه وسط الضجيج الذي يعصف بروحها.

لم تكن ترى سوى صورة واحدة تملأ الذاكرة:

ابنتها وهي تسقط من الشرفة، صرختها الأخيرة تشقّ السكون، ونحيبها يمزّق قلبها

العاجز.

نظر الشيخ إليها للحظة، نظرة من يعرف النتيجة سلفًا، ثم استدار بالساعة الرملية، فبدأ الرمل يتدفّق عكس اتجاهه المعتاد … صعودًا، متسارعًا، كمن يُقلّب عقارب الزمن بيده.

وفي طرفة عين، لم يبقَ لها أثر. تلاشت المرأة، ابتلعها الوقت، وترك خلفها مقعدًا فارغًا… وصمتًا أعمق من أي وداع.

عاد الشيخ إلى عمله، عيناه خاليتان من أي تعبير، ويداه تعبثان بالأوراق العتيقة فوق الطاولة، لا شيء في ملامحه يوحي أن شيئًا قد حدث، ولا أثر للمرأة التي كانت هنا تطلب المستحيل قبل لحظات. الزمن

بالنسبة له لا يعرف العاطفة… ولا يعترف بها.

لكن… ما إن مضت دقائق معدودة، حتى تجلّى عند عتبة الباب طفلٌ صغير.

لم يكن له وجود قبل لحظة — ظهر فجأة، وكأنه اقتُطع من العدم وزُرع في هذا المكان. جسده نحيل، وجهه شاحب. وفي عينيه رغم البراءة يسكن حزنٌ غامض ومرارة مألوفة… ملامح المرأة مطبوعة على وجهه، انعكاس حيّ لذهولها وضياعها.

بقي واقفًا، صامتًا، لا يتحرك. طيف صغير يحمل على كتفيه أثرًا ثقيلًا لزمن اختل توازنه.  تجمَّد العجوز، وارتخت أصابعه المرتعشة فوق الطاولة، واضطربت أنفاسه بينما ظلت نظراته معلّقة على الطفل طويلًا.

الزمن، الذي اعتاد أن يتحكم فيه، وقف الآن في مواجهته… مطالبًا بحقه.

شيءٌ خفيّ، هشّ، انكسر في أعماقه — ربما ذكرى بعيدة، أو إحساس غامض، أو لعنة يعرف أنها بدأت لتوّها.

لم ينطق الطفلُ بحرف، لم يسأل عن شيء، لم يتحرك حتى.فقط… وقف هناك، يحدق بارتباك، وعيناه تدوران في المكان كمن يبحث عن شيء ضاع منه — أو عن يدٍ تمسك به… يد أمه مثلًا!

كان الصمت بينهما أبلغ من أي كلمات. أدركا معًا أن اللعبة قد خرجت عن السيطرة.

عندها، تجلّت أمام الشيخ الحقيقة المرعبة… تلك التي لا تقبل التفاوض: حين عادت المرأة بالزمن، أنقذت ابنتها من السقوط، انتزعتها من براثن الموت، غير عابئة بما سيترتّب على ذلك. ما لم تفهمه – وما لم يُخبرها به – هو أن الزمن كائن غيور، لا يسمح بسرقة لحظة دون مقابل، ولا يغفر لمن يعبث بنسيجه.

بفعلتها، خلّفت فجوة في مجرى الوقت، ثقبًا غير مرئي… والزمن لا يتسامح مع الفجوات.

وحين استردّت الابنةُ حياتها، كان لا بد من إعادة الميزان إلى نصابه. فاختار الزمن  بديلًا: “جنين”… لم تكن تعلم المرأة بعد أنه يتخلّق في أحشائها.

ظلّ الطفل واقفًا للحظة، ثم – كما اختفت أمه – تبخّر.

وفي اللحظة ذاتها، كانت المرأة جاثمة قرب سرير ابنتها، تتأمل إيقاع أنفاسها المنتظم، تمرّر أصابعها عبر خصلات شعرها، وقلبها يلهج بالشكر.

لقد أنقذت طفلتها، خالفت قواعد اللعبة، دون أن تدري أن المشهد نفسه سيعود… في زمن قريب، على سريرٍ آخر.  وستتخذ الوضعية ذاتها، لكن هذه المرة ببشرة شاحبة، وجسد أنهكته الصفقة، حتى غدا هيكلًا بلا روح. بيد أن الغائب هذه المرة لن يكون ابنتها… إنما ابنها – الجنين الذي يتخلّق في أحشائها، ولا تدري بوجوده.

سيحدّق إليها بعينين واهنتين، ممتلئتين برجاءٍ صامت، يتوسل أن تُنقذه، أن تفعل شيئًا…  لكن أنفاسه ستفلت – بلا علة تُرى, ولا سبب يُفهم.

ستمدّ يدها نحوه، كما فعلت مع شقيقته من قبل، لكنها هذه المرة لن تمسك إلا بالهواء… ستقبض على العدم، بينما اللحظة تتسرّب من بين أصابعها كحبات رمل الساعة التي خانتها.

ستظل يدها معلّقة في الهواء، مرتعشة، تتحسس أثرًا زائلًا… تحاول أن تلمس ظلّ ابنها، أن تستعيده، لكنها ـ كما فعل الزمن – أفلتته.

وما تبقّى لها سوى يد مرتجفة، وعينان دامعتان، وقلب محترق، يضجّ بفراق أشد قسوة من الموت.

ومع آخر حبّة رمل ارتفعت، توقفت الساعة الرملية، معلنة – دون أن تنطق – أن الوقت… قد انتهى…

زر الذهاب إلى الأعلى