أدب وثقافةالدين و الحياةمقالات

بعد البحر… لماذا سقط بنو إسرائيل في فتنة العجل؟

سلسلة التاريخ من وراء الستار

بعد البحر… لماذا سقط بنو إسرائيل في فتنة العجل؟

السامري وصناعة الوهم بعد انهيار فرعون

 

بقلم / محمد مصطفى كامل

ليست أخطر لحظات التاريخ حين يسقط الطغاة ، بل حين يكتشف الناس أنهم ما زالوا يحملون آثار الطغيان داخل نفوسهم.
فبعد سنوات طويلة من القهر تحت حكم فرعون .
وبعد المعجزة التي هزّت العالم القديم بانشقاق البحر وهلاك أعظم طاغية عرفته مصر القديمة .
كان من المفترض أن تبدأ مرحلة جديدة من الإيمان والتحرر الكامل.
لكن ما حدث بعد النجاة كان أكثر تعقيدًا مما يبدو.
فبنو إسرائيل لم يخرجوا من مصر وحدها .
بل خرجوا من بيئة ممتلئة بالرموز المقدسة والتماثيل وهيبة السلطة الدينية والسياسية.
ولهذا لم تكن رحلتهم في الصحراء مجرد انتقال جغرافي .
بل كانت صراعًا نفسيًا وحضاريًا بين ذاكرة العبودية ومحاولة بناء وعي جديد.
وفي وسط هذا الاضطراب ظهر رجل غامض فهم نقطة الضعف الكبرى داخل الجماعة.
رجل أدرك أن الشعوب الخارجة من تحت سلطة الطغيان .
قد تبحث سريعًا عن رمز بديل تطمئن إليه ولو كان وهمًا.
ذلك الرجل كان السامري.
ومن هنا بدأت واحدة من أخطر الفتن في التاريخ الديني لبني إسرائيل:
فتنة العجل .
التي لم تكن مجرد عبادة تمثال،
بل كانت اختبارًا عميقًا لطبيعة الإنسان بعد سقوط الطغيان.
من مصر إلى الصحراء ، انتقال الجسد لا يعني انتقال الوعي
حين خرج بنو إسرائيل من مصر،
كانوا قد عاشوا أجيالًا كاملة تحت سلطة فرعون.
لم يكن فرعون مجرد حاكم سياسي .
بل كان نموذجًا لدولة تقوم على تقديس السلطة ، وكانت الطقوس الدينية المرتبطة بالحكم فكرة الوسيط المقدس بين الناس والقوة العليا
ولهذا لم يكن التخلص من آثار تلك البيئة أمرًا يحدث في ليلة واحدة.
فالإنسان لا يتغيّر بمجرد تغيّر المكان.
قد يهرب الجسد من القهر لكن العقل يظل أحيانًا أسير الصور القديمة التي اعتادها لسنوات طويلة.
ولهذا لم تكن الصحراء مجرد طريق لبني إسرائيل ، بل كانت مرحلة إعادة تشكيل نفسي وروحي كاملة.
لماذا طلبوا رمزًا يُرى؟
القرآن الكريم يكشف بوضوح أن بعض بني إسرائيل كانوا لا يزالون متأثرين بثقافة الرموز الحسية.
فبعد النجاة مباشرة، مرّوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، فقالوا لموسى عليه السلام:
﴿اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾
وهنا تظهر الحقيقة الأخطر ،
أن الإنسان الذي اعتاد رؤية القوة مجسدة أمامه قد يجد صعوبة في الارتباط بالإيمان المجرد القائم على اليقين الداخلي.
لقد كانوا خارجين لتوّهم من حضارة ضخمة تمتلئ بالمعابد والتماثيل والرموز البصرية.
ولهذا بقي داخل بعضهم حنين نفسي لفكرة الإله المرئي أو الرمز المحسوس الذي يمنحهم شعورًا بالأمان والسيطرة.
السامري وقراءة مبكرةلنفسيةالجماهير
السامري لم يكن مجرد رجل صنع تمثالًا من الذهب ، بل كان شخصًا فهم طبيعة الجماعة المضطربة بعد التحول الكبير.
لقد أدرك أن الناس في لحظات القلق والانتقال الحضاري تميل إلى البحث عن رمز سريع يملأ الفراغ النفسي.
وحين غاب موسى عليه السلام للميقات، وهنا ظهرت حالة من الارتباك داخل الجماعة.
القائد غائب والمستقبل مجهول
والصحراء قاسية والذاكرة القديمة ما زالت حاضرة.
وهنا تحرك السامري بذكاء شديد.
جمع الذهب والحلي،
وصنع عجلًا له صوت كما وصف القرآن الكريم:
﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ﴾
لكنه لم يقدّم لهم مجرد تمثال…
بل قدّم لهم رمزًا نفسيًا يعيد إنتاج الشعور القديم بالقوة والقداسة والاستقرار.
لماذا كان العجل تحديدًا؟
اختيار العجل لم يكن عشوائيًا.
ففي كثير من حضارات الشرق القديم، كانت رمزية الثور أو العجل مرتبطة بالقوة والخصوبة والهيبة الدينية.
كما أن المصريين القدماء عرفوا رموزًا دينية مرتبطة بالعجول المقدسة مثل أبيس ،
ولهذا فمن المحتمل أن بعض التأثيرات الثقافية القديمة بقيت حاضرة في وعي الخارجين من مصر.
وهنا تتضح خطورة المرحلة الانتقالية التي عاشها بنو إسرائيل ،
لقد خرجوا من أرض فرعون .
لكن آثار الحضارة الفرعونية لم تخرج بالكامل من داخل بعضهم.
الفتنة بعد المعجزة أخطر دروس التاريخ ،
أخطر ما في القصة أن فتنة العجل جاءت مباشرة بعد أعظم معجزة شاهدوها بأعينهم.
البحر انشق وفرعون غرق والنجاة حدثت أمامهم بشكل لا يقبل الشك.
ومع ذلك وقع بعضهم في الفتنة سريعًا.
وهنا يكشف القرآن حقيقة إنسانية عميقة جدًا ، أن المعجزات وحدها لا تغيّر النفوس إذا لم يتغيّر الوعي من الداخل.
فالإنسان قد يرى الحقيقة بعينه
ثم يعود للبحث عن الوهم إذا بقي خائفًا أو مضطربًا أو متعلقًا بالرموز القديمة.
لحظة المواجهة الكبرى حين عاد موسى عليه السلام،
لم تكن صدمته فقط لأن قومه عبدوا العجل بل لأنه أدرك أن المعركة الحقيقية لم تكن مع فرعون وحده.
فإسقاط الطاغية أسهل أحيانًا من تحرير العقول من آثار الطغيان.
ولهذا واجه موسى السامري بحزم شديد، وأسقط العجل، وكشف زيف الوهم الذي التف حوله الناس في لحظة ضعف واضطراب.
وهنا بدأت مرحلة جديدة لبني إسرائيل ، مرحلة بناء الإيمان القائم على اليقين لا على الرموز المصنوعة بأيدي البشر.
لم تكن قصة السامري والعجل مجرد حادثة دينية معزولة بل كانت واحدة من أعمق القصص التي تكشف طبيعة الإنسان بعد سقوط الأنظمة الطاغية.
فالتحرر الحقيقي لا يحدث بمجرد النجاة من الظالم بل يبدأ حين يتحرر العقل من حاجته الدائمة لصناعة أصنام جديدة ، ولهذا بقيت قصة العجل حيّة في القرآن الكريم .
لأنها لا تتحدث فقط عن بني إسرائيل،
بل عن كل مجتمع يخرج من تحت سلطة قوية دون أن يعيد بناء وعيه من جديد.
فأحيانًا يسقط فرعون .
لكن الناس، من خوفهم واضطرابهم،
يبحثون سريعًا عن عجل آخر يمنحهم شعورًا زائفًا بالأمان.
وكأن التاريخ يعيد رسالته في كل عصر .
أن أخطر الأصنام ليست دائمًا المصنوعة من الذهب .
بل تلك التي يصنعها الإنسان داخل عقله حين يخاف من الحرية والحقيقة معًا.

زر الذهاب إلى الأعلى