بين حب الوطن و”الانتماء”: حين يكون الانتماء شرفًا والوعي درعًا
بين حب الوطن و”الانتماء”: حين يكون الانتماء شرفًا والوعي درعًا
كتب: محمود فوزي
في زمن تداخلت فيه المفاهيم، وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ساحة للمزايدات، بات البعض يصف كل صوت يدعم وطنه، ويحافظ على استقراره، ويدعو للتفاؤل بمستقبله بأنه “تطبيل”. وإذا كان الدفاع عن الأرض والعرض، والاستقرار والبناء والتنمية يُسمى في قاموس المتربصين “تطبيلًا”.. فلتُرفع إذاً ولْيَعْلُ صوت الطبلة!
صرخة لاجئ وعبرة من التاريخ
حب الوطن ليس شعاراً زائفاً، بل هو عقيدة وانتماء، وهو من الإيمان. ولعلّ أصدق دليل على قيمة الوطن لا تجده في كتب النظريات، بل تقرأه في عيون من فقدوه.
لو سألت أي لاجئ فارق أرضه مجبرًا: “لماذا لا ترجع إلى بلدك؟” لصمت طويلًا، ثم خرجت منه تنهيدة حارقة تختصر مرارة الغربة ليقول: “بلادي محتاجة لمائة سنة لتعود كما كانت”.
إنها الحقيقة القاسية؛ فالهدم لا يستغرق سوى ساعة واحدة، أما البناء فيحتاج إلى ملايين السنين. وما يحدث حولنا في دول شقيقة كليبيا والسودان ليس عنا ببعيد، بل هو درس حي ومؤلم لكل ذي عقل يبصر كيف يتحول الوطن بين ليلة وضحاها من ملجأ وآمن إلى ذكرى نبكي عليها.
مفارقة الداخل وأجندات الخارج
إن أشد ما يثير الأسف والألم، ليس عداء “خونة الخارج” الذين باعوا ضمائرهم لأجندات مشبوهة، فهؤلاء سقط عتابهم وسقطت أقنعتهم. لكن المحزن حقاً هو أن تجد معترضاً على دعم الوطن وهو مصري يعيش في قلب مصر! يأكل من خيراتها، ويستمتع بشمسها وسمائها، ويمشي في شوارعها ويسكن حواريها، ومع ذلك لا يكف عن بث الإحباط ونشر الطاقة السلبية.
الوطن إذا ضاع –لا قدر الله– لن يعوضه وطن آخر. ولا ينبغي أبداً للأزمات الاقتصادية أن تهزم وعينا؛ فالأزمات تمر وتتغير، والعالم أجمع يمر بظروف اقتصادية طاحنة، ولكن الأوطان إذا تفرقت أشلاؤها لا تعود.
فلسفة الرضا والرزق بمفهومه الشامل
والخلاصة التي يجب أن نقف أمامها: هل نملك صفة الحمد والرضا؟ هل نثق حقاً في قول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾؟
لنضع مائة خط تحت كلمة “مَن” (وهي اسم موصول بمعنى الذي)، فالرزق بيد مشيئة الخالق سبحانه وليس بمشيئتك أنت أو حساباتك البشرية الضيقة. فالرزق ليس مالاً وفقط:
الصحة رزق.
الأمن والأمان رزق (وهو أعظمها).
الزوجة والأولاد رزق.
الصاحب المخلص رزق.
شربة الماء الباردة في جوف حار هي رزق.
فكم من إنسان يملك الملايين ولكنه يتمنى من قلبه أن يأكل “طبق فول” محروم منه بسبب المرض! وكم من غني يعيش على أدوية الضغط والسكري، وآخر لا يذوق طعم النوم إلا بالمسكنات. فالمال ليس كل شيء، والأمان في الوطن هو السقف الذي يحمي كل هذه النعم.
قدوتنا في حب الأوطان
لقد ضرب لنا الرسول الكريم محمد ﷺ أعظم الأمثلة في الانتماء؛ فعندما أُخرج من مكة مهاجراً إلى المدينة المنورة، التفت إليها بنظرة ملؤها الحنين والشجن وقال:
«واللهِ إنَّكِ لخيرُ أرضِ اللهِ، وأحبُّ أرضِ اللهِ إلى اللهِ، ولولا أنِّي أُخرِجتُ منكِ ما خرَجتُ».
كما جعل الإسلام الدفاع عن الأوطان والديار شهادة في سبيل الله، فمن مات مدافعاً عن أرضه وعرضه فهو شهيد.
رسالة إلى كل مصري أصيل
أيها المصري الأصيل، طبل لوطنك مستمتعاً فخوراً، وجدد “طبلتك” كل فترة؛ فالتطبيل للاستقرار والأمان هو وعي، والتصفيق للبناء هو شراكة في النجاح، والهتاف باسم مصر هو شرف لا يعرفه إلا الأوفياء.
حفظ الله مصر، عاتية على الانكسار، آمنة مستقرة، وادام عليها نعمة الأمن والأمان.





