أسلوب الانغلاق في التربية
بقلم / محمـــد الدكـــروري
لقد قام رسول الله صلي الله عليه وسلم وهو طفل صغير بالرضاعة من مرضعته السيدة حليمة السعدية بعد أن قدمت إلى قريش تلتمس أي من الرضعاء، وكان لها ابنا رضيعا لا تجد ما يسدّ جوعه، ذلك بعد أن رفضت نساء بن سعد إرضاع رسول الله صلي الله عليه وسلم بسبب فقده لوالده ظنا منهن أن لا تعود عليهن رضاعته بالخير والأجر، وبسبب ذلك نالت حليمة السعدية بركة في حياتها وخيرا عظيما لم تري مثله قط، ونشأ رسول الله صلي الله عليه وسلم بخلاف غيره من الشباب من حيث القوة والشدة، وعادت به إلى أمه بعد أن بلغ العامين من عمره واستأذنتها ببقاء محمد عندها خوفا عليه من الأمراض في مكة، وعاد معها بالفعل، وفي أحد الأيام أتاه جبريل عليه السلام وشق صدره واستخرجه.
واستخرج من قلبه علقة وقال إنها حظ الشيطان منه، فغسلها بماء زمزم في طست من ذهب، ثم لأمه وأعاده مكانه، فكانت حادثة شق الصدر، وكان ذلك الأمر الفاصل في عودته إلى أمه، وإنه ينبغي ضرورة إدراك الوالدين، أن استخدام أسلوب الانغلاق في التربية بهدف حماية الأبناء مما يحيط بهم من مؤثرات، قد لا يجدي على المدى الطويل، لأن المؤثرات الخارجية أصبحت أمر لا مفر منه، والمقترح هو استخدام أسلوب الانفتاح الموجه في التربية، وعدم اليأس فإذا ما رأى الوالدين من أبنائهم إعراضا أو نفورا أو تماديا فعليهم ألا ييأسوا من صلاحهم واستقامتهم فاليأس من روح الله ليس من صفات المؤمنين، وتذكير الوالدين أنفسهم بضرورة عدم استعجال النتائج، بل عليهم الصبر والمصابرة مع الاستمرار في العمل.
والدعاء لهم والحرص عليهم فقد يستجيب الله لهم بعد حين، وإن من أهمل تعليم ولده ما ينفعه، وتركه سدى، فقد أساء إليه غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء وإهمالهم لهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغارا فلم ينتفعوا بأنفسهم ولم ينفعوا آباءهم كبارا، وقد ذكر أهل العلم القدر الواجب في تربية الأولاد وتأديبهم، حتى يعرف أولياء أمورهم ما يجب عليهم من ذلك، ويتبين لهم إن كانوا مقصرين أم لا، فالواقع أن عوامل ومدارس التربية كثيرة، فالبيت أساس التربية، والمدرسة والجامعة لها دور آخر كبير الأثر، والمساجد لها دور عقدى إيماني واضح، لكن الإشكال أن هذه المدارس الثلاثة الكبرى للتربية كانت محورا أساسا فى هذا الباب إلى عهد قريب منا.
لكننا اليوم أصبحنا نرى خلطا وتشويشا في توجهات الأجيال المسلمة الناشئة وذلك لوجود عدد من الوسائل الأخرى والتى تشارك وبقوة وتأثير في مهمة التربية، ومن أهمها وسائل الإعلام المرئية، والمسموعة، والمقروءة، على حد سواء، والتي بدورها تسهم فى تشكيل العقل والفكر والسلوك، وتشاركهم طريقة مطعمهم وملبسهم، حتى تسريحة شعرهم، ولون حذائهم، ولقد أصبح لهذه الوسائل جاذبية كبيرة في استقطاب نظر الناشئة، وطبقات الشباب والفتيات، والواقع الذى لا محيد منه أن معظم القائمين عليها إلا من رحم الله لا يرقبون فى شباب الأمة إلا ولا ذمة، ولا يحملون الأمانة بصدق وحكمة، فأفسدوا كثيرا بما يقدمون للأجيال، من البرامج الغنائية الساقطة، والثقافية التافهة، والمسرحية والدرامية الهزيلة.
إلى جانب ذلك الركام من الأفلام والمسلسلات، والتي تجمع في أهدافها هدم القيم والأخلاق الثابتة من شعائر الإسلام وشرائعه، وتميع الهوية المسلمة فى قلوب أبنائنا، وتذوبهم فى المد الغربى والعلمانى الجارف، بعيدا عن وحى الله تعالى ومنهجه، وتحثهم على قتل قيم الحياء والأدب فى نفوسهم، وتحثهم على الوقوع فى الفواحش والرذيلة، والمعاصى والمنكرات، كما تغريهم وتعلمهم وسائل الانحراف، وتناول المسكرات والمخدرات، إضافة إلى الانحراف العقدى والفكري.







