صدى مصرمقالاتمنوعات

بَيْنَ أَمَلِ الفَلَّاحِ وَالثَّمَرِ المَفْقُودِ.. مَنْ كَسَرَ الفَأْسَ؟

 

بَيْنَ أَمَلِ الفَلَّاحِ وَالثَّمَرِ المَفْقُودِ.. مَنْ كَسَرَ الفَأْسَ؟

 

مستلزمات الإنتاج تلتهم العائد.. ونقابة الفلاحين تغرد خارج السرب.. والأسمدة الحرة رصاصة شرعية في جسد الثروة الخضراء

بقلم/ جمال القاضي

لم يعد الفلاحُ المصريُّ ذلك الجندي المجهول الذي يصمت صابرًا تحت شمس الهجير، بل أضحى اليوم يحارب في جبهةٍ خاسرة، جبهةٍ تتكالب فيها عليه أعباءُ المعيشة وارتفاعُ تكاليف الإنتاج، لتتحول أحلامه البسيطة بين عشية وضحاها إلى رحلة طردٍ قسريٍّ من أرضه التي عشقها. إن ما يشهده القطاع الزراعي حاليًا ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو «نَاقُوسُ خَطَرٍ» يُهدد الأمن الغذائي، بعد أن باتت “الحسبة الزراعية” تُخرِج الفلاح مديونًا ومطاردًا بأقساط الديون.

تصريحاتٌ مُسْتَفِزَّة.. وفجوة الأسمدة تبتلع المحاصيل

تبدأ المأساة من قلب “الجمعيات الزراعية”، حيث المقررات المدعمة التي لا تسمن ولا تغني من جوع؛ فالحكومة مشكورةً تصرف شيكارتين للأرز والسمسم، وأربعةُ شكائرَ للذرة. وهي حصةٌ يعلم أصغر مزارعٍ أنها لا تكفي لإنتاجٍ مجدٍ لمعظم المحاصل غير الذرة، وفي خضم هذه الأزمة، تخرج علينا تصريحات السيد نقيب الفلاحين لتزيد الطين بلة، مبررًا قلة الدعم بأن “كثرة الأسمدة تلوث التربة”!

نعم يا فندم، نتفق مع سيادتك علميًا، ولكن هذا يحدث إذا تجاوزنا المعدلات الطبيعية، أما ما يُصرف حاليًا فهو دون الحد الأدنى المطلوب للنبات أساسًا! كان الأولى بالنقابة أن تتحايل على الوزارة، وتُقاتل من أجل صرف المعدلات السمادية الكاملة والتي تكفي للنباتات أو أنها تسعى جاهدة لحل فجوة “السُّوقِ السَّوْدَاءِ” التي وصل الفارق فيها إلى نحو 1000 جنيه في الشيكارة الواحدة، وهي فجوةٌ يُطالَب الفلاح وحده بأن يتحمل الصدمة الناتجة عنها.

الأرقام لا تكذب.. حساباتٌ خَاسِرَة وتكلفةٌ كَارِثِيَّة

بلغة الأرقام الدقيقة، تتراوح تكلفة إنتاج الفدان الواحد من بداية الحرث حتى الحصاد ما بين 15 ألفًا إلى 21 ألف جنيه بتنوع المحاصيل الحقلية التقليدية، وهذه التكاليف تشمل المحروقات التي لا تتوقف عن الارتفاع، وأجور العمالة، والخدمة الزراعية وعمليات الري والحصاد وغيرها.

وحين ننظر إلى فدان “السمسم” مثلًا، نجد أن عائده مع تدني الإنتاج يتراوح بين 13 ألفًا و19 ألف جنيه. أما فدان “الأرز” الذي ينتج كحد أقصى يتراوح مابين 2.5 إلى 3 أطنان، وبسعر 15 ألف جنيه للطن، فإن إجمالي إيراده يتراوح بين 37 و45 ألف جنيه. إلى غير ذلك من المحاصيل، لكن الصدمة الكبرى تقع على كاهل “الفلاح المستأجر”، حيث يبلغ إيجار الفدان لنصف سنة وحده نحو 25 ألف جنيه، يُضاف إليها 20 ألفًا تكاليف زراعة؛ والمحصلة: عجزٌ مالي وخسارة فادحة تجعل المزارع يقترض ليسدد الإيجار، ويخرج من المولد بلا حِمَّص! ليدخل الفلاحون في مقارنة خاسرة بكل المقاييس تدفعهم مجبرين للهروب من حقولهم.

مأساة تعم الحقول.. وقِسْ على ذلك باقي المحاصيل!

وَلَا يَقِفُ الِانْهِيَارُ عِنْدَ حُدُودِ سِلْعَةٍ بِعَيْنِهَا، بَلْ بَاتَ قَاعِدَةً عَامَّةً تَسْرِي عَلَى جَسَدِ المَحَاصِيلِ كَافَّةً؛ فَبِعَمَلِيَّةٍ قِيَاسِيَّةٍ بَسِيطَةٍ، نَجِدُ أَنَّ مَنْظُومَةَ الِإِنْتَاجِ فِي مِصْرَ قَدْ أُصِيبَتْ بِـعَقْمٍ اسْتِثْمَارِيّ. فالمأساة التي طحنت مزارعي السمسم والأرز تَتَكَرَّرُ بِحَذَافِيرِهَا فِي مَحَاصِيلَ إِسْتْرَاتِيجِيَّةٍ أُخْرَى كَـ “الذُّرَةِ” وَ”البنجر” وَ”الخَضْرَاوَاتِ” وغيرها.

فَكُلَّمَا ارْتَفَعَتْ أَسْعَارُ المَحْرُوقَاتِ (السُّولَارِ)، تَضَاعَفَتْ فَوْرًا أُجُورُ جَرَّارَاتِ الحَرْثِ، وَمَكِيناتِ الرَّيِّ، وَسَيَّارَاتِ النَّقْلِ وَالحَصَادِ، لِتَلْتَهِمَ هَذِهِ الزِّيَادَاتُ مَعَ جُنُونِ أَسْعَارِ الأَسْمِدَةِ أَيَّ زِيَادَةٍ قَدْ تَطْرَأُ عَلَى سِعْرِ بَيْعِ المَحْصُولِ نِهَائِيًّا. إِنَّ هَذَا التَّدَهْوُرَ المَاليَّ المُطَّرِدَ يَعْنِي شَيْئًا وَاحِدًا: أَنَّ الأَرْضَ لَمْ تَعُدْ تُطْعِمُ صَاحِبَهَا، وَأَنَّ جَدْوَى الزِّرَاعَةِ تَحَوَّلَتْ إِلَى نَزِيفٍ نَقْدِيٍّ مُسْتَمِرٍّ، مِمَّا جَعَلَ مُعْظَمَ المُزَارِعِينَ يُفَكِّرُونَ جِدِّيًّا فِي الهُرُوبِ وَتَرْكِ الفَأْسِ بَائِرَةً مكسورةًِ نَحْوَ أَرْصِفَةِ المُدُنِ لِلْعَمَلِ فِي مِهَنٍ هَامِشِيَّةٍ أُخْرَى بَعِيدًا عَنْ هَذَا النَّزِيفِ.

مسكنات المسؤولين.. “السماد الحر” رصاصة شرعية

وفي محاولة لتدارك الموقف، نعود لدور النقابة مع الوزارة التي راحت تزف بشرى للمزارعين بتوفير أسمدة حرة بالجمعيات الزراعية بأسعار تتراوح بين ٢٤ الف جنيه لطن اليوريا و ٢٢ الف و٥٠٠ جنيه لطن النترات، تحت شعار “منع استغلال التجار”. وهنا نطرح السؤال الجوهري: ما هو السبب الرئيسي في هذا الارتفاع الجنوني والمبالغ فيه بين الثمن المدعم وثمن السوق السوداء؟ هل هو احتكار الشركات المحلية؟

إن كان السبب هو الاحتكار، فلماذا لا تُفتح الأبواب لاستيراد الأسمدة وخلق مناخ تنافسي يكسر ظهر المحتكرين؟ وإذا كانت الحجة هي حماية “الصناعة المحلية”، فمن يحمي الفلَّاح النَّابِض وقطاع الزراعة نفسه من الانهيار؟ للأسف، اقتصر دعم المسؤولين على حصة مدعمة لا تكفي، وتركوا التجار يحددون الأسعار كما يشاؤون، واعتبروا توفير السماد الحر في الجمعيات حلاً كافياً، بينما يراه الفلاح مجرد “شَرْعَنَة” لأسعار السوق السوداء بـغطاء رسمي لا يداوي الجرح بل يزيده عمقاً.

مستقبل مظلم.. وأمن غذائي في خطر

إن الواقع المؤلم يؤكد أن الفلاح شارف على فقدان الأمل؛ فإذا استمر تدهور حاله على هذا النحو، فإن ذلك سينعكس ككارثة مباشرة على القطاع الزراعي بأكمله، وهو القطاع الذي يؤمن قوت الدولة وحصنها الغذائي، ويمتد أثره ليزلزل باقي المجالات الاقتصادية، التجارية، الصناعية، والسياسية.

وفي النهاية

إن الفلاح هو الجندي المجهول الذي يحارب دون صوت، وصبر طويلًا على وعود تحسين أوضاعه تحت حرارة الشمس الحارقة. الأصوات الآن تتعالى وتصرخ من بين المزروعات.. فهل من مسؤول يملك الجرأة لليستمع لنبض الأرض قبل أن يأتي يومٌ تبحث فيه مصر عن فلاحيها فلا تجدهم في الحقول؟

زر الذهاب إلى الأعلى